سرت.. ذهبت داعش وبقيت الألغام


ليبيا المستقبل | 2016/11/29

ليبيا المستقبل (عن الأناضول): ليس الدمار أكثر ما يخيف سكان مدينة سرت (450 كلم شرق طرابلس) من العودة، إنما الألغام، التي تمثل أكثر ما يؤرق ويعيق تقدم قوات البنيان المرصوص، فمن بين كل 10 منازل في المدينة، 9 منها ملغمة، والعاشر يستعمله قناصة “داعش” لعرقلة تقدم القوات الليبية ما أن بدأت “سرت” الليبية، ترميم الدمار الذي لحق بها إثر ثورة 2011، التي أطاحت بنظام العقيد معمر القذافي، حتى داهمتها حرب أخرى؛ تدور رحاها بين قوات “البنيان المرصوص”، الموالية للمجلس الرئاسي في العاصمة طرابلس، وتنظيم “داعش” الإرهابي، هذه المرة يجمع الكل أن هذه الحرب أكثر دمارا وأشد وطأ على أهل المدينة.

تبدو سرت، وكأنها مدينة أشباح، لا ترى فيها سوى الآليات العسكرية لقوات البنيان المرصوص، تتجول بين الركام. حركة الآليات العسكرية تبدو منظمة، أما التحرك إلى مدخل المدينة غربا حيث خطوط الإمداد، والمستشفى الميداني، أو الدوران حول المنطقة الوحيدة التي مازالت تحت سيطرة “داعش”، “الجيزة البحرية”، أين يتمترس التنظيم في حوالي 70 منزلا، يخسر منها بعض المنازل بعد كل “هدة” هجوم لقوات البنيان المرصوص. سرت، التي ينحدر منها الرئيس السابق معمر القذافي، والتي أصبحت من أهم المدن الليبية منذ صعوده إلى سدة الحكم في 1969، يقول آخر إحصاء للسكان في ليبيا أجري في 2010، أن المدينة فيها 100 ألف ساكن.

يقول البعض إنها كانت مدينة الحل والعقد، مدينة المؤتمرات والملتقيات المحلية والدولية؛ التي نظمها الرئيس السابق معمر القذافي، ألقيت فيها خطابات لكبار الزعماء العرب والأفارقة. فهذه المدينة، التي شهدت ميلاد القذافي ونهايته، كادت أن تكون العاصمة الإدارية (الثالثة) للبلاد، خاصة وأنها تتوسط العاصمة طرابلس، ومدينة بنغازي، عاصمة الشرق الليبي (نحو ألف كلم شرق طرابلس)، لكن الثراء الثقافي والتاريخي الذي تزخر به طرابلس عبر قرون طويلة، لم تتمكن سرت من انتزاعه منها بقرار سياسي، رغم الاهتمام الذي أولاه القذافي لهذه المدينة من حيث المنشآت والبنية التحتية.

وشيد فيها الزعيم الليبي الراحل، أحد أكبر قاعات المؤتمرات في إفريقيا، والمتمثل في مجمع واغادوغو، والذي دخل الخدمة في 1997، بعدما كلف الدولة 150 مليون دولار، واحتضن المجمع في 1999، ميلاد “الاتحاد الإفريقي”، وفي 2010، احتضن المجمع آخر قمة عربية تعقد في ليبيا. غير أن هذه القاعة التي ارتبط اسمها بسرت، تحولت في 2015، إلى مركز قيادة لتنظيم “داعش” الإرهابي، وشهدت في 2016، أشرس المعارك مع قوات البنيان المرصوص، وتعرضت إلى قصف مدمر من الطائرات الليبية والأمريكية. وأصبح، اليوم، مجمع قاعات واغادوغو، على غرار مختلف أحياء المدينة؛ منطقة عسكرية لا يسمع فيها سوى صوت الرصاص والمدافع وصراخ بعض الجرحى من حين لآخر.

يقول عدد من سكان سرت، الذين التقتهم الأناضول في “كامبو” مصراتة (مخيم يستقبل عدد من نازحي سرت)، أن سكان المدينة بدأوا بالخروج منها، منذ نهاية 2014، عندما بدأ “داعش” يبسط سيطرته على المدينة شيئا فشيئا. واستمر النزوح طيلة 2015 (أعلن داعش سيطرته رسميا على المدينة منتصف العام، بعدما أخفقت قوات موالية لحكومة الإنقاذ في استرجاع المدينة)، وحتى مايو/ أيار 2016، تاريخ إطلاق المجلس الرئاسي عملية البنيان المرصوص، لتحرير “سرت”، غادرت آخر دفعة من سكان المدينة، كي تتحول سرت، إلى ساحة قتال بين “الدواعش” و”البنيان المرصوص”.

فليس الدمار أكثر ما يخيف أهل سرت من العودة، إنما الألغام، وهو كذلك أكثر ما يؤرق و يعيق تقدم قوات البنيان المرصوص. علي بيوض، أحد مقاتلي البنيان المرصوص، مرابط في سرت، منذ بدء الحرب على “داعش”، يقول للأناضول “داعش، اعتمد سياسة التلغيم من المناطق التي انسحب منها. لغم كل شي هنا، وبشكل خاص البيوت”. وأوضح أنه “فمن كل 10 بيوت، هناك 9 منها ملغمة، وبيت يستغله التنظيم للتموقع، حيث عادة ما يسمح البيت بتموقع قناص تكون له زاوية نظر واسعة وتطل على أكثر من شارع”. ويضيف علي: “هذا أسلوب يعتمده التنظيم لإعاقة تقدمنا؛ ولإيقاع أكبر عدد من القتلى في صفوفنا، وهذا الأمر خلف دمارا كبيرا” في المدينة. فرق الهندسة المعنية بتفكيك الألغام، تعمل على تمشيط الأماكن التي ينسحب منها التنظيم، ولكن بحسب علي: “هذا لم يمنع من انفجار عدد كبير من الألغام، ما ينسف البيت كله وبيوتا بجانبه كذلك، و يزيد من حجم الدمار”.

ويروي علي، للأناضول: “في بداية الحرب، التنظيم كان ينسحب بشكل مستمر، حفاظا على الأرواح، وبالتالي حجم الدمار في المناطق التي انسحب منها بسرعة في المرحلة الأولى قليل، لأنه لم يجر فيها قتال طويل، ولكن مع تضييق الخناق على التنظيم، أصبح عناصره يقاومون بشراسة ولا يتراجعون، ما جعل المعارك أعنف”. وأشار إلى أن “في كثير من الأحيان يتم قصف المكان الذي يتحصن فيه مقاتلو التنظيم ونسفه بالكامل، هذا ما وقع تقريبا في حي الدولار، وحي الـ700، وسط سرت”.

ويتابع “ثم هناك أحياء أكثر دمارا؛ على غرار أحياء رقم واحد، واثنين، وثلاثة، وهي آخر الأماكن التي انسحب منها التنظيم، قبل التمركز بمعقله الحالي والأخير في الجيزة البحرية، شمالي المدينة”. “أحياء”، يقول مقاتلو “المرصوص”، إن “التنظيم دافع عنها بشراسة لأنه يدرك أنها مواقعه الأخيرة”. يقول علي، “هناك عمارات سويت بالأرض، ورغم ذلك عناصر التنظيم لم ينسحبوا منها، بل قاتلوا من تحت الركام”.

وإذا عدت قوات البنيان المرصوص، تقدمها بالشوارع أو بالأحياء في المراحل السابقة من القتال، فهي اليوم، في منطقة الجيزة البحرية، تعد تقدمها بالبيت الواحد. وتجنبا للقناصة، يكسر عناصر البنيان، الجدران الفاصلة بين البيوت؛ للمرور من بيت لآخر، للتقدم وتشديد الخناق على عناصر “داعش”. في سرت، ليست المباني وحدها التي دمرت، حتى الأرض لم تعد مستوية، فلا يكاد يخلو شارع في المدينة من حفرة كبيرة، يقول مقاتلو البنيان المرصوص، إنها أثار “الدقمة”؛ السيارات المصفحة والمفخخة التي يستعملها التنظيم في استهداف أعدائ