الحالة الليبية مابعد رحيل القائد معمر القذافي

عبد الله ميلاد المقري

بعد خمس سنوات من رحيل القائد معمر القذافي الله يرحمه ، بعملية عدوانية شاركت فيها عدة دول ، استهدفت النظام السياسي الوطني في شخص قائد هذا النظام نفسه ، وتاتي عملية اغتياله يوم الخميس 20/10/2016 بعدعمليات متعددة ومتكررة على مدى اكثرمن 40 سنة ، أتخذت أوجه وصور متعددة ، تغلب عليها الحقد والكراهية لكونه متهم لتقويض مصالح دول وتنظيمات كانت عينها على ليبيا – ثرواتها وموقعها الإقليمي والاستراتيجي – وكان القائد معمر القذافي ، الند الصلب وغير المجامل على المس بمصلحة واستقلال بلاده ، وأمته العربية ، فقد كان المجابه الخصم لأي استهداف لبلاده ولقارته الافريقية ، التى قادها الى الوحدة في إطار الاتحاد الأفريقي ، قبلها كانت بلاده ليبيا مثابة ومقصد لطالبي الحرية من الشباب الأفريقي ، الذي درس بعضهم في ليبيا وتحصن بالافكار التي غرسها فيهم معمر القذافي ، فيما أصبحوا قادة ثوريين ، وصلوا بثورات الى السلطة ، وتمكن بعضهم ولازال يقود بلاده ويعترف بدور معمر القذافي في وصوله للحكم .

وعلى المستوى العالمي ، كان معمر القذافي الشخصية العالمية الثورية، بامتياز المدافع عن الحرية ، والاستقلال ، في دعم حركات التحرر الوطنية ، من أسيا الى أمريكيا اللاتنية ، واعتبار قضية فلسطين قضية وطنية. ولم يكتف معمر القذافي بالجوانب السياسية : فقد انتقد وبشدة أدوات الحكم واشكال الديمقراطيات في الغرب ، وانتقل الى التحريض عن رفض الاستغلال والعلاقات الظالمة ، التي تفرق بين البشر ، داعيا الى الانعتاق من الظلم ، والجور ، واستعباد الاجراء ، ودعواته لنبذ الحروب والنزاعات الإقليمية والدولية ، والتخلص من الاسلحة النووية الفتاكة ، وإحلال السلام في العالم ، واحترام الشعوب ، في ادارة أوطانها وثرواتها ، ومنع التكتل والأحلاف العسكرية ، ونبذ العنف والارهاب ، وكانت اجتهاداته ومساهماته ورؤيته فى السياسة ، والاجتماع والاقتصاد ، بمثابة شخصية دولية تسعي الى احترام شعوب وامم العالم .

وفي ذلك جعل من بلاده ليبيا دولة تحافظ على ثرواتها ، حيث كسب كل المعارك في مجال الطاقة والغاز والنفط ، والحفاظ على مكاسب بلاده من هذه الثروة الوطنية الهامة ، التي تعد المصدر الاساسي لعيش وحياة الليبيين ، بالاضافة الى الإنجازات المختلفة ، في مجال الصناعة ،والاقتصاد والمواصلات ،والنقل ،والزراعة ،والبناء ،والتشيد ، وبالتالى جنب بلاده من الإخفاقات الاقتصادية ، والانهيارات في مجال الانتكاسات المالية التى شهدتها بعض أسواق العالم من سقوط وإخفاقات ، وفي الاخير جعل من ليبية دولة غنية ، تعددت توظيفاتها : في عائدات النفط الى ثروة ضخمة ، ولها استثماراتها المالية ، وشركاتها ، وصناديقها الاستثمارية ، في العالم وفي الداخل ، ماجعل منها دولة رائدة ، ما يعد ذلك مكسبا لشعبها لعهود من المستقبل المشرق.

للاسف برحيله ، خلف حالة خطيرة من الإحباطات ، والدهشة للمتابعين في العالم ، وخلف موته ،ورحيله ، ماساة كارثية ، على البلد والشعب ، حيث شهدت هذه البلاد التي كانت مستقرة وآمنة ، حالات قتال ،وتناحر ،وارهاب وعنف ، من جراء نتائج الربيع العربي ، وما سمى بثورة فبرائر والعدوان الخارجي ، والمشاريع السياسية الخارجية ، والتدخلات من قبل الدول التي شاركت في العدوان على البلاد ، ومقتل الزعيم معمر القذافي لتنتقل البلد في حروب وتدمير لجميع مقوماتها الاقتصادية ، ولخيراتها الضخمة ، ولمواردها الاقتصادية المتنوعة – وصاحب ذلك تدمير كل البناء الاساسية من مطارات ، وطرق ،وصناعة ، وزراعة .

وانتقلت البلد الى فوضى عارمة ، اصبحت اكثر من 1500 ميليشية مسلحة ارهابية ، تسيطر على المشهد اليومي العام ، مصحوبا بثلاث حكومات ، وبرلمان مطرود الى شرق البلاد ، ومؤتمر وطني رفض الاعتراف وتسليم مهامه الى مجلس النواب ، وفق نتايج الانتخابات التي اجريت من اجل الانتقال الى حالة سياسية جديدة.

وعليه لم تكن هذه السنوات الخمس ، الا شؤما على الليبيين ، وعلى حياتهم الاجتماعية والمعيشية ، فقد فقد المجتمع الليبي لحمته ، وتضامنه الاجتماعي ، وتماسكه العائلي ، وفقد مورده الاقتصادي ، الذي عطلته ميليشيات مسلحة ، تتبع تنظيمات دينية ، واخري قبلية ، استولت على الحقول ،والموانئ النفطية ، بقوة السلاح ، مماعرضت خزينة الدولة لفقدان المئات المليارات من الدولارات ، وصاحب ذلك تهريب وسرقة النفط الخام ، والاستيلاء على الاموال المجمدة ، والأرصدة، والأسهم، والسندات ، والمحافظ الاستثمارية ، وتبذير الاموال العامة في خزائن الشركات العامة ، وانهيار قيمة الدينار الليبي ، وفقدان عائدات الواردات من الجمارك والتحصيل الضريبي ، بالاضافة الى الصرف والانفاق على أفراد الميليشيات ، والمهمات وارتفاع مرتبات أعضاء الحكومات ، وأعضاء الموتمر الوطني ، ولجنة إعداد الدستور، الى سقف غيرمعقول، بالاضافة الى السرقة ، والفساد المالي ،وشراء الذمم ، والقيام بكل ما يبدد أموال الدولة ، في محاولة للوصول الى حالة الافلاس والفقر ، وفقدان الدولة – وضعيتها الرقابية والضبطية- لأموالها ،ومواردها الذاتية .

وفي الجانب الاعمال العدائية يسيطر على المشهد العام ، استمرار تناحر الميليشيات المسلحة ، وازدياد عمليات الخطف والنزوح والتهجير القصري -لإعداد ضخمة من الليبيين – كما هو حاصل بالنسبة لاهالي تاورغاء، والقواليش ، وبعض المناطق الاخري .

وتشهد البلاد حرب طاحنة ، يقوم بها الجيش الوطني ، ضد ميليشيات القاعدة وانصار الشريعة ، في كل من مدينة بنغازي ودرنة ، ويجابه هذا الجيش محاولات متكررة من الداخل والخارج لدعم هذه الميليشيات الاجرامية بالسلاح ، والعتاد والاموال ، وكأن المطلوب لهذه الدولة ولهذا الشعب عدم الاستقرار ،وعدم الامن ، والسلم ، زيادة على التدخلات الخارجية ، لصالح طرف وتغليبه على طرف أخر ، والاغرب في ذلك تقوم الدول الكبرى ، والامم المتحدة ، بفرض أشكال سياسية ((مجلس رئاسي وحكومة )) بدعوى نتيجة توافق حوار الصخيرات ، الذي هو الاخر أنتج حالة سياسية غاية في الرداءة والسوء .

وهكذا يغلب على الحالة الليبية ، بعد خمس سنوات ،من رحيل معمر القذافي هذه الذهاب الى الانهيار الكامل للدولة والمجتمع وتصبح المعالجات ، والمبادرات ، والحوارات السياسية ، مسالة تضييع وقت هو في الاصل لم يعد يسمح بأكثر مما هي عليه البلد من حالة اليأس ، والفشل ، والموت السريري…