«اجتماع لندن» يخدم الوفاق أم يكرس الشقاق؟

صورة من الاجتماع الوزاري حول ليبيا في لندن (رويترز) (photo: )صورة من الاجتماع الوزاري حول ليبيا في لندن (رويترز)

خفت حدة التوتر نسبيًا في العاصمة طرابلس بعد ما وصف بـ«انقلاب القصور»، الذي استعان فيه رئيس ما عرف بـ«حكومة الإنقاذ»، خليفة الغويل، بعناصر الأمن الرئاسي المكلفين بتأمين منطقة القصور (مقر المؤتمر الوطني العام سابقًا، ومجلس الدولة حاليًّا)، في محاولة الإطاحة برئيس مجلس الدولة عبدالرحمن السويحلي، واستعادة كل من المؤتمر الوطني و«حكومة الإنقاذ»، فوجئت مدينة بنغازي بجريمة إرهابية أخرى مسرحها هذه المرة أيضًا ساحة الكيش؛ حيث أدى تفجير سيارة مفخخة إلى مقتل أربعة أشخاص آخرين، بينهم الناشط الحقوقي محمد أبوقعقيص وإصابة 23 آخرين بجروح.

فيما تفجر الوضع الأمني في مدينة الزاوية بتجدد الاشتباكات بين مجموعتين مسلحتين على خلفية جرائم قتل وأعمال انتقامية بين المجموعتين، تطورت إلى صراع نفوذ دامٍ للسيطرة على المدينة، أدى بدوره إلى مقتل أكثر من عشرة أشخاص وعشرين جريحًا، وفق إحصاءات لم يتسن التأكد من صحتها بعد، وفي سياق متصل تستمر الحرب على تنظيم «داعش» في جبهة سرت، فيما تؤكد قوات «البنيان المرصوص» التي تقود هذه الحرب أنها على وشك حسم الحرب لصالحها وتحرير المدينة من «داعش».

للاطلاع على العدد (50) من «جريدة الوسط» اضغط هنا (ملف بصيغة pdf)

هذا هو المشهد الميداني في ليبيا في ظل المراوحة التي تتسم بها العملية السياسية في البلاد، غير أن «اجتماع لندن» حول ليبيا الذي انعقد اليومين الماضيين جاء ليحاول إلى حد ما كسر الجمود السياسي، بحلحلة الأزمة المالية التي تعانيها البلاد، وتكبل حركة حكومة الوفاق وتضعها في ركن حرج أمام فريق كبير من الليبيين راهنوا على ولادتها من جهة، وأمام خصومها الذين وجدوا في ذلك مادة لمهاجمتها واتهامها بالفشل وعدم الأهلية لإدارة شؤون البلاد، وهو ما وصفه الناطق باسم المجلس الرئاسي أشرف الثلثي بـ«حرب متعددة الجهات».

أجندة غامضة
«اجتماع لندن» دعت إليه كل من بريطانيا والولايات المتحدة، وشارك فيه رئيس حكومة الوفاق الوطني فائز السراج ومحافظ مصرف ليبيا المركزي الصديق عمر الكبير، ووزير الخارجية الليبي طاهر سيالة، والممثل الخاص للأمم المتحدة مارتن كوبلر، وعدة دول من بينها السعودية والإمارات، بالإضافة إلى بعثة الأمم المتحدة، وفي حين وجد خصوم حكومة السراج في هذا الاجتماع فرصة للطعن في شرعيتها واتهامها بالتورط في «مؤامرة» للتلاعب باحتياطي البلاد، ووضعها رهينة البنك الدولي، ليكون هذا الاجتماع موضع تساؤل إن كان قد جاء ليخدم الوفاق أم يكرس الشقاق، ووصفه البعض بأنه غامض الأجندة مما اضطر رئيس المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الوطني إلى الرد، موضحًا أن مشاركته في هذا اللقاء هدفها «الوقوف بشكل مباشر على جميع المقترحات التي من شأنها المساهمة في حلحلة الأزمة الاقتصادية، والاستفادة بالخبرات الدولية في هذا المجال».

تصريح السراج جاء عبر المكتب الإعلامي للمجلس الرئاسي، الذي نشر أيضًا على موقعه الإلكتروني «إن الاجتماع ناقش سبل حل أزمات السيولة وسعر الصرف، وتدهور إنتاج النفط والتحديات التي تواجه عمل المجلس الرئاسي في ظل الانقسام الحالي وزيادة وتيرة الصراع».

ثلاثة أهداف
وأمام حملة التشكيك الكبيرة في نوايا منظمي «اجتماع لندن» التي عكستها كثير التصريحات والكتابات في وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي الليبية، تلاحقت على الجانب الآخر تصريحات المشاركين في الاجتماع، التي حاولت رفع ما اعتبروه ملابسات بشأن أجندة هذا اللقاء، وكان أكثر التصريحات تفصيلاً هو ما جاء على لسان السفير البريطاني لدى ليبيا، بيتر ميليت، الذي أعلن عن ثلاثة أهداف كانت وراء فكرة الاجتماع، وهي وفق تقرير وزعه مركز الإعلام والتواصل الإقليمي التابع للحكومة البريطانية ومقره دبي «تأكيد الدعم الدولي للاتفاق السياسي الليبي، وكسر الجمود في تنفيذه وإيجاد حلول للمشاكل الاقتصادية التي تواجهها البلاد، عبر توفير الخدمات الأساسية للمواطنين الليبيين وتسهيل زيادة عائدات النفط واستخدام هذه العائدات لتحسين ظروفهم».

وحذر السفير من «حصول فراغ وفوضى في حال عدم اتفاق الليبيين»، لكنه استدرك في الوقت نفسه قائلاً: «إن القرار يعود لليبيين أولاً وأخيرًا، ودور المجتمع الدولي هو فقط لتسهيل الحوار بين جميع الأطراف الليبية».

اتفاق لاستئناف الإنفاق المالي
ولقد أكدت مصادر «الوسط» أنه لم يصدر شيء رسمي بشأن «اجتماع لندن»، وأن بيانًا للمجلس بالخصوص قد يصدر «بعد عشرة أيام مشروطًا بموافقة الجانب الليبي، واعتماده لمضمون البيان»، فإن وزير خارجية إيطاليا تحدث في تصريحات له عن التوصل إلى «حل وسط بين المجلس الرئاسي وحكومة الوفاق الوطني»، واصفًا ذلك بأنه «خطوة أولى نحو تحقيق الاستقرار الاقتصادي ووضع برامج لتحقيق الأولويات مثل الخدمات العامة والأمن».

وحسب وكالة «أنسامد» الإخبارية الإيطالية فإن الخطوة هي «توصل ممثلين عن حكومة الوفاق الوطني والمصرف المركزي الليبي إلى اتفاق لاستئناف الإنفاق المحلي، من أجل توفير الاحتياجات الأساسية العاجلة، يعمل بموجبه المصرف المركزي على توفير ما قيمته سبعة مليارات يورو للمجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الوطني برئاسة فائز السراج، لتوفير الاحتياجات والخدمات الأساسية للمواطنين، بينما أكدت مصادر أوروبية أخرى عن 11 دينارًا ليبيًا.

وفيما يبدو أنه محاولة لاحقة لتحريك العملية السياسية، أكدت مصادر لجنة الحوار السياسي أن اللجنة ستعقد جولة جديدة من الحوار في مالطا الأسبوع المقبل، في انتظار أن يتضح ما إذا كان رئيس المجلس الرئاسي فائز السراج سيبدأ بالفعل مشاوراته لتشكيل حكومة جديدة، وتقديمها إلى مجلس النواب للنظر في اعتمادها، وما إذا كان المجلس مستعدًا للتعامل مع ذلك بعد تصريحات أطلقها رئيسه عقيلة صالح، واعتبر فيها أن السراج لا يحق له تشكيل حكومة جديدة بعد أن رفضت له حكومتان من المجلس.

Home