عقاب سرت: مسقط رأس العقيد مهداً للمعارك الكبرى

تونس -عبد الباسط غبارة

لأكثر من اربعة عقود، بين عامي 1969 و2011، حظيت مدينة سرت بمكانة مميزة على اعتبار انها مسقط راس الزعيم الليبي الراحل معمر القذافي. لكنها كانت دائماً مهداً للمعارك الكبرى في تاريخ ليبيا المعاصر.

تقع سرت على بعد 450 كلم شرق العاصمة طرابلس، وعلى بعد نحو 250 كلم شرق مدينة مصراتة، في منتصف الطريق الساحلي الرابط بين طرابلس ومدينة بنغازي شرق البلاد. وتبعد المدينة نحو 150 كلم عن بداية منطقة الهلال النفطي التي تضم كبرى موانئ التصدير في البلاد. وتطل على البحر المتوسط في مواجهة السواحل الايطالية على بعد حوالي 350 كلم منها. يبلغ عدد سكان سرت حوالي 120 ألف نسمة بحسب ارقام مسؤولين فيها، يعيش غالبيتهم في المنطقة الممتدة من وسط الى شمال المدينة. معظم السكان من البدو الذين ينتمون الى عدة قبائل ليبية، اكبرها قبائل القذاذفة وورفلة والفرجان. ويعتبر المجتمع في سرت محافظا يشتهر منذ قرون بتربية الماشية. وتعتبر المدينة من المواقع المهمة حيث تحتل موقعاً متوسطاً بين شرق ليبيا وغربها، وهي في نفس الوقت تعتبر بوابة للمناطق الداخلية بفزان، ويمكن اتخاذها قاعدة للانطلاق إلى الواحات التي تقع إلى الشرق والجنوب.

بعد ثورة الفاتح من سبتمبر عام 1969 حظيت سرت بعناية فائقة، وخلال العقود الأربعة من حكم معمر القذافي نفذت مشروعات البنية التحتية وأنشأت جامعة في المدينة التي ازدهرت بها حركة التعمير وانتشرت المباني الحديثة. كما اكتسب ميناء سرت أهمية أكبر مع تطور استخراج النفط البحري. وفي المدينة “مركز واغادوغو” للمؤتمرات ذات القاعات الرخامية والتي تعد أكبر قاعة للمؤتمرات في ليبيا ومن أهم المراكز في المنطقة، وفيه اعتاد معمر القذافي استقبال ضيوفه نظراءه من زعماء العالم. وتحدث معمر القذافي عن تحويل سرت الى عاصمة، طالباً من وزرائه -باستثناء الخارجية-بنقل مقارهم إليها. لكن غالبية العمل المدني بقي عملياً في طرابلس.

في أواخر التسعينات من القرن العشرين شهدت المدينة أهم حدثين في تاريخها هما اعلان الاتحاد الأفريقي في 9 سبتمبر 1999 بمجمّع “قاعات واقادوقو” الذي هو من معالمها الشهيرة وتوقيع اتفاق سلام البحيرات العظمى. وكانت تعقد فيها بشكل دوري اجتماعات مؤتمر الشعب العام الليبي، وتنظم فيها المؤتمرات الدولية ومؤتمرات القمة. وقد رشحت وقتها لاستضافة بعض مقار الاتحاد الأفريقي الوليد. كما عقدت في قاعات واقادوقو بسرت القمة العربية الثانية والعشرون. واختيرت كعاصمة للثقافة العربية في عام 2011.

*سرت المُعاقبة

عاش أهالي سرت زمن الحصار الذي فرض عليهم أياماً وليالي حالكة السواد، وظروفاً جد صعبة استمر فيها القصف الجوي لحلف الناتو على المدينة من 20/3 ـ 20/10/ 2011 مخلفاً الكثير من الدمار بالبنية التحتية عموم المدينة، ومرافقها الحيوية، وأثار الرعب والهلع بين الأطفال، وانتشر المرض والخوف وسط السكان من النساء والشيوخ والعجزة، بالإضافة إلى نيران كتائب المتمردين المسلحة، التي ما برحت تدك البلدة من جميع الجهات، بقذائف الدبابات والراجمات، مما اضطر الآلاف الأطفال والنساء وكبار السن والمرضى والمعوزين الخروج مجبرين من مساكنهم، والنزوح مكرهين من منازلهم، تاركين كل ما يملكون وراء ظهورهم، خوفاً على حياتهم، وحياة أطفالهم من الموت. في أعقاب سقوط المدنية خريف العام 2011، همش النظام الجديد مدينة سرت، وتزايدت النشاطات الاجتماعية للجماعات السلفية التي قامت بتنظيم حملات نظافة وتوزيع المساعدات، فاستعادت المدينة هدوءها نسبيا لعدة أشهر قبل أن تحكم الجماعات السلفية سيطرتها على المؤسسات الرسمية والحكومية، والتي استقطابها لاحقا تنظيم أنصار الشريعة الذي بايع زعيم تنظيم داعش، أبو بكر البغدادي في بداية سنة 2015.

*سرت: مهد المعارك

معركة خليج سرت

في ربيع عام 1986 نشرت القوات البحرية الأمريكية مجموعة من حاملات الطائرات في البحر المتوسط وبشكل محدّد في خليج سرت المتنازع عليه، اعتبرت ليبيا هذا انتهاك لحرمة أراضيها وانتقاص من سيادة البلاد على خليج سرت، خصوصاً بعد تصريح الزعيم الليبي معمر القذافي عام 1973 بأن خليج سرت ليبي ويخضع لسيادتها وحدد خط عرض 32 (115 كيلو متر عن الشواطئ الليبية) كنقطة لا يجوز تجاوزها الاّ بإذن مسبق من السلطات الليبية ولقّبه بخطّ الموت وسيّرت دوريات مراقبة بحرية وجوية عبره، لكن الولايات المتحدة رفضت التصريحات الليبية واعتبرت خليج سرت مياه دولية ومن حقها إجراء مناورات فيه وأن المياه الإقليمية الليبية لا تتعدى حزام 19 كيلو متر حول الشواطئ الليبية.

كانت واشنطن تبحث عن مبررات لتنفيذ هجمات يكون الغاية منها تأديب القيادة الليبية على تطاول تراه واشنطن من جانبها محاولة ليبية لوضع واشنطن موضع الند. وتصاعدت حدة التوتر في العلاقات الأمريكية الليبية، وقامت ليبيا بنشر صواريخ إس إيه 5 أرض-جو المتطورة التي حصلت عليها من الإتحاد السوفيتي عام 1985، فيما قامت أمريكا بتوسيع وجودها العسكري في البحر الأبيض المتوسط وتمركز الأسطول السادس الأمريكي بصورة دائمة فيه، وبدأ يجري مناورات متواصلة مخترقة وبشكل متعمد المجال الجوي والمياه الإقليمية لخليج سرت. ومع استمرار الخروقات الأمريكية للمجال الجوي لخليج سرت قامت مضادات الليبية بالرد، وانتقلت من مجرد أعمال استفزازيّة أمريكية إلى اشتباكات مسلحة بين القوات الليبية والأمريكية.

معركة فبراير

إبان “السابع عشر من فبراير” ظلت مدينة سرت من أواخر المدن التي سقطت بيد معارضي القذافي حيث قصفت من قبل قوات حلف شمال الأطلسي عدة مرات. وقد أعلن معمر القذافي سرت عاصمة لليبيا في 1 سبتمبر 2011. وقد استماتت القوات العسكرية الموالية للعقيد في الدفاع عن المدينة ولحق بها دمار هائل خلال معركة سرت الفاصلة في تاريخ الحرب التي تلت 17 فبراير. وقد قتل معمر القذافي فيها في 20 أكتوبر 2011.

بدأت معركة سرت في منتصف سبتمبر/أيلول، أي بعد حوالي شهر من سيطرة “المعارضين” على معظم ليبيا، بما في ذلك العاصمة طرابلس. وكانت المقاومة فيها شرسة للغاية، ولم تتمكن القوات المناهضة للعقيد من التقدم خلال ثلاثة أسابيع على بدء المعركة إلا لبضع مئات من الأمتار داخل المدينة. ومع تصاعد القتال، فر معظم المدنيين، ولم يبق سوى قوات المقاومة. وفي يوم 20 أكتوبر/تشرين الأول، تعرضت قافلة العقيد لقصف من طائرات حلف شمال الأطلسي (ناتو) على طريق سريع على مشارف المدينة. وتوفي في وقت لاحق من ذلك اليوم في ظروف غامضة، مما دفع المجتمع الدولي إلى مطالبة القادة الجدد في ليبيا بالتحقيق في وفاته.

وافاد تقرير للأمم المتحدة ان المتمردين الليبيين الذين قاتلوا قوات معمر القذافي ارتكبوا جرائم حرب ويواصلون عمليات الانتقام ممن يعتبرونهم انصارا محتملين للزعيم السابق ومن الاقليات. واعتبر التقرير ان “حجم الدمار الكبير (في سرت) والاسلحة المستخدمة تبرهن ان الهجمات كانت من دون تمييز”. وشجبت لجنة التحقيق الدولية التابعة للأمم المتحدة حول ليبيا في مسودة تقريرها الثاني الذي نشرته الجمعة 2 مارس/آذار 2012 تصفية من 65 الى 78 جنديا من أنصار الراحل معمر القذافي بأيدي متمردي مصراتة في اكتوبر بسرت، مؤكدة ان هؤلاء لم يوقفوا اعمال الانتقام بعد الاعلان عن سقوط النظام.

من داعش الى البنيان المرصوص

في 14 مارس 2015، بدأ القتال بين قوات تنظيم داعش وقوات درع ليبيا، ووصفت الاشتباكات بالعنيفة. وعلى مدى شهرين، اندلع قتال متقطع حول سرت. وفي 28 مايو سيطرت “داعش” على قاعدة القرضابية الجوية ومشروع مياه النهر الصناعي العظيم خارج سرت. وخلال أيام قليلة، انسحبت قوات فجر ليبيا من مواقعها التي تبعد 12 ميلاً غرب سرت، بعد أن تقدمت قوات داعش شرقًا، جنوبًا وغربًا.

وفي شهر يونيو من سنة 2015، أحكم تنظيم داعش قبضته على مدينة سرت بالكامل، لتتحول المدينة إلى سجن كبير يفتقد لأبسط مقومات الحياة اضافة الى الانتهاكات المتواصلة التي يشدها السكان من قبل تنظيم داعش مما أدى إلى كارثة انسانية داخل المدينة والنزوح المستمر منها نحو المدن الاخرى. ولم يتوقف سيلُ الانتهاكات الجارف والجرائمِ التي يرتكبها تنظيم “داعش” بمدينة سرت عند قمع الحريات العامة واعتقالات المدنيين والاغتيالات المنظمة لأفراد الأمن والجيش. بل تجاوز ذلك الى ممارسة شتى انواع التعذيب والتنكيل والإرهاب النفسي على أهالي المدينة، بالإضافة الى التضييق عليهم في كل مجالات الحياة، مما أدى إلى تفاقم الأزمة الإنسانية للمدنيين، ونزوحهم الى خارج المدينة.

وفى أغسطس 2015 أعربت اللجنة الوطنية لحقوق الإنسان بليبيا، عن إدانتها واستنكارها إزاء ما تتعرض له مدينة سرت والمدنيين لأبشع جرائم الإبادة والانتهاكات البشعة من قبل تنظيم داعش الإرهابي ما أوقع العشرات الضحايا والجرحى من المدنيين. وأعلنت اللجنة في بيان لها أن مدينة سرت منطقة منكوبة إنسانيًا، وذلك جراء سيطرة تنظيم داعش الإرهابي على المدينة، والانتهاكات الخطيرة لحقوق الإنسان بالمدينة والقصف العشوائي العنيف بالأسلحة الثقيلة الممنهج للمدنيين بالحي الثالث بالمدينة، بالإضافة إلى حصار التنظيم الإرهابي لمجموعة من الأحياء السكنية الأخرى بمدينة سرت والنقص الحاد للمواد الطبية والغذائية والإنسانية العاجلة وعدم تزويد الوحدات الطبية بالمستلزمات الطبية العاجلة المطلوبة لعلاج الحالات الحرجة والمصابين والجرحى وإسعافها.

وفي أغسطس 2015 شهدت مدينة سرت، اشتباكات بين سكان المدينة، وتنظيم داعش، بعد أن أقدم عناصر من الأخير على قتل إمام جامع قرطبة، خالد بن رجب. ودخلت المدينة ميدانيًّا في معارك طاحنة وتحدثت تقارير إعلامية عن سقوط أكثر من 100 قتيل، وحرق مستشفى بداخله جرحى على يد “داعش”. كما قام التنظيم بعد ذلك بحملة إعدامات جماعية للأسرى الذين قبض عليهم خلال هذه الاشتباكات.

وفي 6 مايو 2016، أعلنت حكومة الوفاق، عن تشكيل غرفة عمليات خاصة لقيادة العمليات العسكرية ضد تنظيم “داعش” ومنعت المجموعات المسلحة كافة في البلاد من التحرك بمفردها من دون موافقتها. وفي الثاني عشر من مايو2016، شنت القوات الحكومية المدعومة من المجتمع الدولي، هجوما واسع النطاق من أجل استعادة مدينة سرت الساحلية شمال ليبيا، من قبضة مسلحي “داعش” الذين يسيطرون عليها منذ يونيو 2015.ونجحت هذه القوات في تطويق سرت من كل الجوانب والدخول إلى المدينة، ولكن تعثر الهجوم بسبب هجمات “داعش” المضادة وخاصة العمليات الانتحارية المتكررة.

وفي الأول من أغسطس الماضي، بدأت الولايات المتحدة غاراتها على التنظيم في سرت دعما لقوات حكومة الوفاق الوطني كانت تعتقد أن هذا التدخل سيكون لأسابيع وليس لأشهر. وفي سبتمبر 2016 أعلنت القيادة العسكرية الأمريكية في إفريقيا “أفريكوم”، عن حصيلة الضربات الجوية التي استهدفت مواقع وتمركزات عناصر تنظيم “داعش” في سرت والتي وصل مجموعها إلى مئة وتسع وستين ضربة.