داعش ليبيا… الرقم الأهم في معادلة التشابكات الإقليمية والدولية

الهزائم التي مني بها تنظيم داعش في كل من سوريا والعراق، تجعل من ليبيا ملاذه الأخير، ومنطلقا نحو تنفيذ مخططه في مشروع “دولة الخلافة “، كما أنّ التراخي الغربي في حسم المعركة ضد هذه العصابات الإرهابية وربطها بمصالح داخلية واقتصادية، ينذران بالمزيد من التمدد لهذا التنظيم في شمال أفريقيا وجنوب الصحراء، حيث توجد خزّانه من المقاتلين الذين سيجندهم لما يعتبره “إعادة هيبة” بعد جملة الخسائر التي تكبّدها.

فتحت الضربات التي تعرض لها تنظيم داعش في سرت بليبيا الباب مبكرا، لمصيره في هذه الدولة المفككة، وبدا الغموض الذي يحيط به لافتا للنظر، فلا أحد يستطيع الجزم بانتقال عناصره إلى مكان آخر، ولا توجد المعلومات المؤكدة التي تدلل على أن بقايا وروافد التنظيم لا تزال قادرة على المقاومة.

في كل الحالات لم ينقطع الحديث عن داعش ليبيا، بحسبانه مصدرا مهما للقلق في شمال أفريقيا، والمنطقة الخلفية (جنوب الصحراء الكبرى)، وما تسرب من معلومات واجتهادات يوحي بأن هناك فصولا أخرى لم تظهر معالمها النهائية، تنذر بأن داعش ليبيا سوف يكون رقما مهما في معادلة التشابكات الإقليمية والدولية.

ويرى الكثير من المراقبين أن ليبيا مرجح أن تكون مركز الحسم النهائي في مواجهة تنظيم داعش، بالتزامن مع المواجهات الشاملة في الموصل وحلب وسرت، استنادا إلى طبيعة التطورات الجارية في المنطقة، وتشابكاتها المختلفة.

وذهب البعض إلى اعتبار أن الصراع الدولي والإقليمي مترابط علي مستوى تلك الجبهات، والحسم المقصود ليس في مصلحة الوحدة الليبية، بقدر ما هو ترجيح لكفة أحد طرفي الصراع الدائر في الشرق الأوسط، بالنظر إلى أهمية ليبيا الجيو سياسية لجميع اللاعبين الدوليين، وأغراضهم النهائية.

ويقلل خبراء من قيمة التدخل الغربي الذي تباطأ كثيراً، مانحًا هذا النفوذ للتنظيمات المسلحة، بينما يأتي التدخل المتأخر تكتيكيًا ومرحليًا لخدمة قضايا وملفات داخلية غربية، كتلك التي تخدمها معارك الموصل، كنقاط داعمة للديمقراطيين في انتخابات الرئاسة الأميركية، وحاجة المرشحة الديمقراطية لانتصارات رمزية تقلل من فداحة أخطاء سابقة أغرقت المنطقة في هذا المستنقع.

وصار تحقيق الأهداف الغربية الكبرى مثار شكوك لأنه يتوقف على القضاء الكامل على التنظيم بتدخل عسكري مباشر، لفتح المجالات للشركات الغربية لاقتسام غنائم ما بعد الحرب سواء المتعلقة بإعادة الإعمار أو المتعلقة بالاستثمار في الثروة النفطية والغازية الليبية الهائلة، فضلًا عن أزمة الهجرة إلى الرغبة في تقليل خطر الإرهاب في العمق الأوروبي.

ويؤدي التدخل العسكري الغربي المتعدد في ليبيا وضرب مواقع داعش إلى تشظّي التنظيم وما يتبعه عملياً من تفكيك فعلي للبلاد، بالنظر إلى ما رسخه التنظيم من واقع ديموغرافي ومناطقي خلال السنوات الماضية، فضلًا عن حتمية توجه خلايا تابعة له إلى حدود تونس والجزائر ومصر، حيث تحتاج تلك المراكز من منظور اللاعبين إلى حسم في ملفات النفوذ والطاقة والصراعات السياسية الداخلية، مع احتفاظ التنظيم بقوة لا يستهان بها داخل ليبيا رغم خسائره الأخيرة في معارك رئيسية.

لذا يرى البعض أن ما يحدث هو فعلياً دفع نحو جبهات أخرى يسعى اللاعبون الدوليون والقوى الإقليمية لموازنة القوة بها، حيث يضيع المنطق عند البحث عن المغزى الحقيقي وراء التدخل العسكري الغربي بعد خمس سنوات كاملة من تدخل أطلسي سابق أطاح بنظام العقيد معمر القذافي وتسبب في مقتل عشرات الآلاف من الليبيين ومعاناة متواصلة لا تنتهي اقتصاديًا وأمنيًا.

ورغم فرار أكثر من أربعة آلاف من مقاتلي داعش من سرت منذ بدء عملية “البنيان المرصوص” إلى الجزائر والنيجر، فإن هذا في نظر خبراء، بداية لإعادة تموضع التنظيم منطلقًا من إستراتيجية جديدة، تستغل المنطقة الرخوة في الجنوب الغربي من الصحراء الليبية المحاذية لحدود النيجر والجزائر والقريبة من شمال مالي، بالتنسيق الكامل مع جماعة بوكو حرام في نيجيريا، سعيًا للتمدد نحو شمال أفريقيا، وتحديدًا المنطقة التي تقع قبالة جنوب أوروبا، لتنفيذ عمليات داخل العمق الأوروبي بحشد المقاتلين من مختلف دول المنطقة، خاصة من المغرب العربي ومن دول أفريقيا جنوب الصحراء.

ويحرص تنظيم داعش ليبيا على أن يكون رده في الداخل الليبي مكافئًا لكل ما تعرض له التنظيم في سوريا والعراق، ويكون حضوره هناك بمثابة استعادة لمكانته بين مؤيديه ومقاتليه، وتصبح ليبيا ليست فقط ملاذًا للتنظيم، إنما مركز ثأر من مختلف القوى التي شاركت في تقويض وسلب ما يسميه أراضي الخلافة في سوريا والعراق، مستفيدًا من المساحة الزمنية الفضفاضة التي تعطى له قبل التحرك ضده، ومن المساحات الجغرافية المتاحة لإعادة انتشاره عبر الظهير الصحراوي العربي والأفريقي.

والانقسام الغربي بشأن التعامل مع القوى المتنازعة على الأرض، والمخاوف من وراء توجيه ضربات قوية للتنظيم يدفعان تنظيم داعش للثأر بضرب السواحل الأوروبية، انطلاقا من ساحل سرت رغم صعوبة ذلك عمليًا، لكن ليس مستبعدًا القيام بعمليات مضادة ضد المصالح الغربية داخل ليبيا ودول الجوار، خاصة أن هناك خلايا نائمة للتنظيم بمختلف المناطق الليبية خاصة طرابلس.

ولا يستبعد مراقبون احتمال نقل مركز دولة الخلافة إلى ليبيا لتنفيذ أهداف التنظيم بمعاودة الزحف في مراحل لاحقة نحو المدن الليبية المهمة وتعزيز تواجده فيها لتشكل انطلاقة وقاعدة رئيسية له نحو الأقطار العربية في شمال أفريقيا، خاصة أن هذه الخطة موضوعة مسبقًا لضم مصر ودول أفريقية، وأخرى في شمال أفريقيا، تعويضًا عن الخسائر والهزائم في الشام والعراق، لتتحول ليبيا من مجرد محطة انتقالية إلى معقل رئيسي بعد انهيار التنظيم في سوريا والعراق، بالنظر إلى وضع ليبيا الحيوي على ساحل المتوسط.

ووفقًا لتقارير استخبارية فإن التنظيم نجح فعليًا في تعزيز حضوره في ليبيا بالمئات من المقاتلين الفارين من الصراعات بسوريا والعراق، مستغلًا الانقسام السياسي في ليبيا وإمكانية توحد القوى في حال توجيه ضربات عسكرية أطلسية جديدة، رهانًا على تعاطف الكثير من الليبيين وتوجه مجموعات لا يستهان بها نحو اعتناق الفكر التكفيري خلال سيطرة تنظيمات هذا الفكر طوال الفترة الماضية، بعدما توزعت خلاياه على امتداد جغرافيا البلد الشاسعة.

ويتطلع داعش انطلاقًا من ليبيا إلى التمدد من جديد نحو تونس (مخزن مهم لمقاتلي التنظيم) وإلى مصر والسودان ومالي والجزائر والنيجر، وهي دول تمثل نقاط ارتكاز للتوسع نحو أفريقيا والمغرب الإسلامي، وأعلن التنظيم في السابق قيام “ولاية الدولة الإسلامية في غرب أفريقيا”، وهي التي سينصب عليها اهتمام التنظيم في المرحلة المقبلة، لإدامة القتال والتعبئة والتجنيد، ولاستعادة نموذج “دولة الخلافة” وللثأر من مختلف القوى الغربية والعربية التي أسهمت في هزائمه في كل من سوريا والعراق.

alarab