حرب الحقائق حول «قنفودة»

الجيش الليبي يطرح مبادرة من 3 مراحل لإخراج العالقين في قنفودة

دخان يتصاعد إثر اشتباكات في قنفودة (photo: )
لم يكد الليبيون يلمسون الفوائد التي حققها الجيش الوطني بسيطرته على موانئ تصدير النفط، ثم بسط الأمن ومكافحة الإرهاب في بنغازي ودرنة ، حتى دخلت منظمة العفو الدولية «أمنيستي» على خط الأحداث بتقرير مثير عن أوضاع المحتجزين في منطقة قنفودة، الأمر الذي دعا القيادة العامة للقوات المسلحة لإصدار رد تفصيلي، عرضت فيه جملة حقائق قالت إنها غابت عن هذا التقرير.

تقرير قديم عاد إلى الضوء في ظروف غامضة

ويعود تاريخ نشر تقرير منظمة العفو الدولية إلى 11 يوليو الماضي، ولا يعرف سبب تكثيف الضوء عليه خلال الأيام الماضية التي شهدت تطورات لافتة على أرض الواقع لاسيما في مدينة بنغازي، سواء على صعيد فرض الأمن أو ملاحقة التنظيمات المتطرفة التي اتهمها بيان الجيش بـ«أسر المدنيين واستخدامهم كدروع بشرية في قنفودة».

وتضمن بيان الجيش انتقادات حادة للمنظمة الحقوقية التي تتخذ من العاصمة البريطانية لندن مقرا لها، مشيرا إلى أنها اعتمدت على «معلومات مغلوطة أحادية المصدر»، وأنها لم تهتم لا «بالأعمال الإنسانية التي تقوم بها القوات المسلحة لخدمة النازحين منذ نحو 30 شهرا»، ولا بحقيقة أن «الجماعات الإرهابية المحاصرة في قنفودة اتخذت من العائلات والعمالة الأجنبية والأسرى لديها دروعا بشرية».

واتهم البيان القائمين على التقرير إما بـ«عدم فهم الوضع في ليبيا» أو« دعم الإرهاب الذي تمارسه هذه الجماعات من اغتيالات وخطف وابتزاز والسيطرة على مؤسسات الدولة، وإعلان الحرب على الشرعية المتمثلة في مجلس النواب والحكومة الموقتة والقيادة العامة للجيش والأجهزة الشرطية والأمنية».

عمليات مواجهة مستمرة مع العناصر الإرهابية في قنفودة

عمليات مواجهة مستمرة مع العناصر الإرهابية في قنفودة

ويعزز اعتراف المنظمة في مقدمة تقريرها بأنها تحصلت على شهادات المحاصرين في قنفودة من خلال شريط فيديو أنتجه «مجلس شورى ثوار بنغازي»، الذي عرفته بأنه «ائتلاف يضم ميليشيات وجماعات مسلحة، منها جماعة (أنصار الشريعة)»، ما جاء ببيان الجيش، الذي وجه اتهاما مباشرا لهذه الجماعات بالمسؤولية عما يتعرض له المحتجزون، مشيرا إلى محاولات عديدة بذلت من جانبه لتحريرهم لكن دون جدوى، وحسب منظمة العفو، فإن الفيديو يظهر ثلاثة رجال بين نحو 130 شخصا كانت جماعة «أنصار الشريعة» المسلحة قد اختطفتهم من سجن عسكري في بنغازي في أكتوبر 2014، مشيرا إلى أن «أولئك الرجال يظهرون وهم يدعون إلى وضع حد للضربات الجوية التي يقولون عنها إنها تسببت بإصابة العديد من الأشخاص بجروح، وإنها تعرض أرواح الناس للخطر».

وقالت المنظمة إنها اعتمدت هذا الفيديو كدليل على ما يعانيه المدنيون المحتجزون في قنفودة، موضحة أنهم حوصروا لشهور في المنطقة السكنية، بسبب غلق كافة طرق الدخول أو الخروج وقطع جميع الإمدادات سواء غذاء أو دواء، مشيرة إلى أن «المدنيين في قنفودة يعتمدون من أجل البقاء على قيد الحياة على المواد الغذائية الفاسدة والمياه القذرة»، في حين أن «المرضى والجرحى يكافحون مع الأدوية منتهية الصلاحية وتضاؤل الإمدادات الطبية».

شهادات المحاصرين في قنفودة

ويقول الرجال الذين يظهرون في الفيديو إنهم نقلوا من منطقة إلى أخرى، عقب ضربة جوية شنت قبل بضعة أشهر، وجرح فيها عدد من الرجال المختطفين. وقالوا كذلك إنهم بالكاد نجوا من ضربة أخرى وقعت في مطلع يوليو على موقعهم الجديد. أما معدو التقرير فنسبوا إلى نشطاء أنه تم نقل أولئك الرجال مؤخرا من منطقة القوارشة إلى منطقة قنفودة، حيث يقدرون أن هناك أكثر من 400 عائلة، بينها مواطنون أجانب.

وذكر تقرير المنظمة إن الكثير من المدنيين يخشون مغادرة منازلهم خشية التعرض لأذى؛ بسبب ازدياد الغارات الجوية واقتراب الاشتباكات من الأماكن السكنية، داعية إلى ضرورة احترام قانون حقوق الإنسان الدولي والسماح بالوصول غير المشروط إلى المدنيين المحاصرين لإمدادهم بالإغاثة اللازمة.

صورة من قنفودة

صورة من قنفودة

ورأت النائبة الموقتة لمدير برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في المنظمة مغدلينا مغربي أن «تنفيذ الضربات الجوية بطريقة تتجاهل وجود هؤلاء المحتجزين يشكل انتهاكا للقانون الدولي الإنساني، ويتعين على الذين ينفذون مثل هذه الهجمات أن يتخذوا جميع الاحتياطات الممكنة لتفادي، أو على الأقل، تقليص إلحاق الضرر، إلى أدنى حد ممكن، بالأشخاص الذين لا يشاركون في القتال بشكل مباشر»، ونقل تقرير المنظمة عن محمد، وهو مواطن من سكان قنفودة، قوله إن الغارات الجوية والقصف المدفعي زادت كثافة واقترابا خلال الأسبوع الماضي، مضيفا: «الأطفال يبدون كالهيكل العظمي بسبب نقص الغذاء. سيكون من الجيد لو أنهم فقط يرمون لنا ببعض الطعام أو يقومون بإخراج الأطفال فقط وتركنا نحن الكبار هنا».

وأضاف محمد الذي يؤوي في منزله 8 أسر بمن فيهم 23 طفلا أنهم في أمس الحاجة إلى أبسط الإمدادات، قائلا: «نريد مجرد وسيلة آمنة للمغادرة»، و قال مواطن آخر عرف نفسه بأنه وليد: «لدي ابنان، واحد عمره ثلاث سنوات ونصف، والآخر سنتان من العمر. لا يتوفر لدينا حليب الأطفال أو أي طعام لهم لذلك أقوم بملء الزجاجات بالماء وخداعهم حتى يعتقدوا أنه حليب»، في حين ذكرت خديجة، وهي امرأة محاصرة- كما قال التقرير- مع أطفالها الأربعة الصغار بينهم طفلة عمرها 10 أشهر أنها «اضطرت أن تلد في المنزل بسبب القتال، وأن طفلتها ليس لديها بودرة للأطفال أو أي لوازم طبية، وهو ما يعتبر أمرا خطيرا على حياتها بسبب عدم توفر مياه نظيفة».

أما سمير الذي يعيش مع زوجته وثلاثة أبناء وابنته البالغة من العمر سنة واحدة، فضلا عن ثلاث عائلات أخرى من الذين نزحوا بسبب الصراع، فقال: «إننا نعيش مثل الحيوانات»، مضيفا: «لقد تم ضرب منزلنا حيث تضرر بسبب ثلاث قذائف دبابات. واحدة في غرفة النوم، وأخرى في الدرج، في حين أصابت الثالثة المطبخ لكنها لم تنفجر».

وأشار تقرير المنظمة أيضا إلى أن مئات من الرعايا الأجانب، بمن فيهم العمال المهاجرون من السودان والتشاد وبنغلاديش محاصرون في قنفودة، ناقلة عن وسائل إعلام أن خمسة على الأقل من المواطنين السودانيين قتلوا في غارة جوية في منتصف أغسطس.

وفي رده على هذا التقرير، قال بيان الجيش إن «هناك منظمات وهيئات دولية لا تفهم حقيقة الحرب التي تخوضها القوات المسلحة ضد الإرهاب، أو أنها تدعم الإرهاب الذي تمارسه هذه الجماعات من اغتيالات وخطف وابتزاز والسيطرة على مؤسسات الدولة، وإعلان الحرب على الشرعية المتمثلة في مجلس النواب والحكومة الموقتة والقيادة العامة للجيش والأجهزة الشرطية والأمنية».

الجيش يتحدث عن عمليات إرهابية واسعة ضده

ولفت الجيش إلى «مئات العمليات الانتحارية التي تقوم بها الجماعات المتطرفة ضد الجيش والشرطة، وزرع آلاف الألغام والمفخخات في مناطق القتال، واستهداف المستشفيات وسيارات الإسعاف والطواقم الطبية والتهجير القسري للسكان وقتل المتظاهرين».

وذكرت قيادة الجيش أنها أعطت فرصا عديدة لإخراج العائلات العالقة والعمالة الأجنبية، «ولكنهم منعوا من الخروج رغم النداءات المتكررة لخروجهم». وواصلت: «أوقفت العمليات العسكرية 48 ساعة وتم رمي منشورات بواسطة الطائرات العمودية ولكنهم لم يستجيبوا لذلك، ولم يستفيدوا من فرصة إخلاء كاملة اشتملت على التأمين الطبي والأمني والاجتماعي وأعدت مقار للإقامة الموقتة حتى يتم تأمين إقامة دائمة حسب رغباتهم».

عربة عسكرية في مواجهة عناصر داعش داخل أحد مباني منطقة قنفودة

عربة عسكرية في مواجهة عناصر داعش داخل أحد مباني منطقة قنفودة

وتابع البيان: «تم تشكيل لجنة محلية تضم شخصيات حقوقية وقانونية على رأسها عميد بلدية بنغازي، العميد أحمد العريبي، وما زالت تتواصل مع القيادة العامة والجهات ذات العلاقة، ولكنها تعمل ببطء شديد لتعنت التنظيمات الإرهابية».

واستنكرت قيادة الجيش عدم إشارة تقرير العفو الدولية إلى «الأسر والعمالة العالقة بمنطقة الاشتباكات في قنفودة، وكذلك الأسرى الذين تحتجزهم التنظيمات الإرهابية سواء من مناصري القوات المسلحة أو من عسكريين ومدنيين عملوا مع النظام السابق».

اتهامات للقوى الإقليمية والدولية باستغلال حقوق الإنسان

واعتبرت أن «بعض القوى الإقليمية والدولية تقوم باستغلال حقوق الإنسان وتواجد المدنيين في أماكن الاشتباك لغرض إعاقة تقدم القوات المسلحة وزيادة أمد المعارك في بنغازي وتأخير إعلان تحريرها من براثن الإرهاب»، متهما المنظمة الدولية بعدم الحياد أو التوازن، واستقاء معلوماتها من طرف واحد، «صنفته قرارات مجلسي الأمن بالإرهاب»، بحسب البيان.

وأبدت قيادة الجيش كذلك تعجبها من «ازدواجية المعايير المتبعة من منظمات حقوق الإنسان الدولية»، «إذ إنها لم تطالب يوما التحالف الدولي الذي تقوده أميركا بوقف إطلاق النار وفتح ممرات آمنة للمدنيين في سورية والعراق»، مؤكدة أنها تسعى إلى إنقاذ جميع العالقين بمنطقة الاشتباكات شريطة خروجهم عبر ممر آمن يجدد من قبل القيادة وذلك لمنع هروب الإرهابيين.

وأخيرا، طالب البيان بالكشف عن مصير الأسرى والمخطوفين والمحتجزين لدى الجماعات الإرهابية، وقال: «بحكم أن العفو الدولية تتواصل مع هذه الجماعات فنطالبها بالكشف عن مصير هؤلاء»، وكانت الحكومة الموقتة ردت في وقت سابق على تقرير منظمة العفو، وقالت إنه تضمن «مغالطات كبيرة تتنافى مع الواقع».

الحكومة الموقتة تكذب تقرير المنظمة الدولية

واستغربت هيئة الإعلام الخارجي بالحكومة الموقتة ما جاء بالتقرير بخصوص العائلات والمدنيين العالقين في منطقة قنفودة وتعرضهم لخطر الموت من الجوع والمرض والقتال»، مشيرة إلى أن القوات المسلحة «لم تتوقف عن توجيه النداءات المتكررة للعالقين بالخروج من مناطق القتال وتعهدت بتقديم ممر آمن»، منوهة بأن القوات المسلحة وجهت نداء أيضا للجهات ذات العلاقة بهذا الأمر مثل الصليب الأحمر والهلال الأحمر للقيام بواجبهم الإنساني».

يذكر أن منظمة العفو الدولية أصدرت في مطلع العام 2015 تقريرا تفصيليا عن الأوضاع في شرق ليبيا، ذكرت فيه أن بنغازي تغرق في الفوضى، بينما كانت قوات الجيش الليبي تقوم بعملية «الكرامة» التي أثمرت تحرير المدينة، باستثناء جيب صغير في قنفودة يجري التعامل العسكري معه، وفي هذا السياق، أعلن رئيس مركز إيواء مدخل بنغازي الغربي، النقيب ناصر الصبيحي، تسلم مقر جهاز مكافحة الهجرة غير الشرعية بمنطقة قنفودة من قبل الكتيبة «309 طبرق» التابعة للجيش الليبي. وقال الصبيحي لـ«الوسط» إن المقر، الذي أقيم بشكل استثنائي بالتنسيق مع غرفة عمليات القيادة العامة للجيش وعناصر المؤسسة الأمنية وجهاز مكافحة الهجرة غير الشرعية، تسلمه جهاز مكافحة الهجرة غير الشرعية توكرة–المقرون، بناء على تعليمات آمر غرفة العمليات العسكرية العميد عبدالسلام الحاسي، بحضور آمر القاطع الرابع العقيد سالم رحيل.

وشهد الأسبوع الماضي العديد من مظاهر عودة الدولة الليبية لممارسة أدوارها الوطنية في بنغازي، فبينما باشرت مديرية الأمن حملة موسعة لإزالة المطبات العشوائية المنتشرة بشوارع المدينة، أعلنت وزارة الداخلية سعيها لإعادة تفعيل جهاز الشرطة السياحية، بما يضمن الحفاظ على موروث ليبيا الثقافي والتصدي لعمليات سرقة وتهريب الآثار التي استمرت لعدة سنوات، وكما ناقش عميد بلدية بنغازي أحمد العريبي مع محافظ مصرف ليبيا المركزي في البيضاء علي الحبري ونائبه إدريس لحيمر دعم عملية إعادة إعمار المدينة وتسهيل عودة الشركات الدولية والمحلية. وقال الناطق باسم البلدية المعتصم الفيتوري إن العريبي تطرق لأولوية إعمار بنغازي وحل مشكلة النازحين ووضع خطط عملية سريعة لتنفيذها.

جهود حكومية لإنقاذ الموقف الطبي

بالمثل، أعلن وزير الصحة في الحكومة الموقتة، رضا العوكلي، أن بداية العام المقبل ستشهد توفير 80% من نواقص المستشفيات والعيادات ببنغازي، مشيرا إلى جهود مجلس النواب والحكومة الموقتة في توفير السيولة اللازمة لسد العجز بالقطاع الصحي.

من جهة ثانية، لازال الليبيون يترقبون انتقال جلسات مجلس النواب إلي بنغازي، باعتبار ذلك كخطوة فارقة في مسار إعادة بناء الدولة، حسب وصف النائب فتحي القباصي، الذي أوضح في تصريح خاص إلى «الوسط» أن هذه الخطوة تتوقف على إعلان القيادة العامة للجيش الليبي تحرير المدينة من الإرهاب، وكان القائد العام للجيش المشير خليفة حفتر أعطى، الأسبوع الماضي، إشارة قوية بعودة الدولة، عندما منح مغتصبي الممتلكات الخاصة أو العامة مهلة أسبوعا ليتقدموا إلى أقرب مركز أمني لتسليم أي ممتلكات قاموا بحيازتها خارج نطاق القانون وتقديم جميع البيانات عنها اعتبارا من الأول من أكتوبر الجاري.

وحمل قرار حفتر رسالة واضحة بأن «عهد الفوضى والاعتداء على الحقوق والممتلكات قد ولى إلى غير رجعة»، داعيا القوات المسلحة لوضع «مسألة تأمين الممتلكات في مقدمة اهتماماتها لما للمال الخاص والعام من حرمة كفلها الدين والأعراف والتقاليد».

Home