معمر القذافي … ثورة قائد

ولد معمر القذافي في بلدة سرت، وكانت أسرته تعمل في الزراعة وتربية الماشيه، والتحق بالكلية الحربية في بنغازي عام 1963م وتخرج فيها عام 1965م، ثم أُوفد في بعثة إلى بريطانيا حيث تخرج في الأكاديمية الملكية العسكرية البريطانية في ساند هرست.Mu'ammar Qaddafi

أشرف القذافي على تنظيم الضباط الوحدويين الأحرار الذي قام بثورة الفاتح من سبتمبر 1969م ، وأطاحت بعرش إدريس السنوسي الملكي، وأعلن عن قيام الجمهورية العربية الليبية.

وبعد نجاح ثورة الفاتح رقي القذافي إلى رتبة العقيد وأصبح على رأس مجلس قيادة الثورة وعين في الوقت نفسه رئيساً للوزراء بالإضافة إلى احتفاظه بمنصب قائداً عاماً للقوات المسلحة.

وكان منهج ثورة الفاتح السياسي قد بدت ملامحه بإعلان التضامن مع مصر والإقتراب من الوحدة العربية .

وعملت الثورة منذ البداية على إقفال القواعد الأمريكية والإنجليزية في ليبيا، وطرد الإيطاليين المقيمين في ليبيا.

ففي مارس 1970م دخل في مفاوضات مع المسئولين الأمريكيين والبريطانيين، كان من نتيجتها إزالة القواعد البريطانية من بنغازي، وقاعدة العظم وطبرق، كما سلم الأمريكيون قاعدة هويلس بعد ثلاثة شهور.

تميز القائد معمرالقذافي .. منذ صباه بثقافته الشاملة .. وسعة مداركه, وقدرته على القراءة العميقة والصائبة لمختلف الأحداث والقضايا والتطورات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والعسكرية الإستراتيجية, مما جعله يمتلك درساً قوياً, وقدرة كبيرة على التنبؤ بمستقبل العلاقات الدولية, وفتح أمامه مجالاً رحباً للتعبير عن رؤاه وأفكاره بطريقة متحضرة ومعاصرة ونادرة ساهمت بصورة مباشرة في تكوين شخصية القائد معمرالقذافي (السياسية الثقافية) الفريدة في العالم.

فشخصية القائد معمرالقذافي, تقدم لنا نموذجاً فريداً للإنسان والقائد المثقف, وقد لعبت الثقافة دوراً كبيراً وهاماً في تكوين شخصية القائد أثناء التخطيط والإعداد للثورة, وهذا اتضح من خلال دوره الكبير في رسم معالم الثورة, خاصة خلال ألــ 4000 يوم من العمل السري إعداداً لهذا الحدث العظيم في تاريخ الشعب الليبي.

فنموذج القائد معمرالقذافي المثقف, جسد للعالم أهمية الثقافة في تكوين شخصية القائد والزعيم ولعبت الثقافة دوراً هاماً في تشكيل وعي ورؤى وتوجيهات القائد معمرالقذافي منذ صباه أنه شاب مختلف عن أقرانه في التفكير والتدقيق في الأمور, وحسن التصرف والتدبير, وكانت قراءته للقضايا والأحداث المختلفة تنم عن وعي وإدراك شديدين, وبحر بلا حدود من الثقافة, ومن هذا تميز معمرالقذافي الشاب عن رفاقه وزملائه بثقافته وحسن قراءاته والتي امتزجت بكفاحه وممارساته السياسية, فعلى امتداد مراحل دراساته حتى الثانوية العامة بمدينة مصراتة, أثرت هذه المراحل في وجدان معمرالقذافي بالتراث الفكري والنضالي لشعبه وأمته, فقد كان معمرالقذافي كثير الاهتمام بالأوضاع السياسية والاجتماعية التي كانت عليها ليبيا, وكذا الأوضاع التي عليها الأمة العربية.

الدور السياسي

وقد اتضح الدور السياسي لمعمرالقذافي منذ كان طالباً يافعاً حيث قاد الطالب معمرالقذافي في الخامس من شهر التمور (أكتوبر) من العام 1961مسيحي المسيرة الوحدوية ضد جريمة الانفصال للوحدة بين مصر وسوريا في الثامن والعشرين من شهر الفاتح (سبتمبر) من العام 1961مسيحي وأسس الطالب معمرالقذافي عندما كان يدرس في مدرسة مصراتة الثانوية عام 1962مسيحي صحيفة أطلق عليها اسم (الشمس) واختيار هذه التسمية له أكثر من مدلول عند معمرالقذافي في ذلك الوقت, الذي كانت فيه ليبيا تحت حكم النظام الملكي, وما كانت تشهده آنذاك من تراجع عن الصف العربي, ودعم للقوى الاستعمارية, حيث فتحت أراضيها لتكون قاعدة عسكرية لأمريكا وبريطانيا وإيطاليا, ومنها انطلقت الطائرات الأمريكية والبريطانية لتشارك في العدوان الثلاثي على مصر عبد الناصر عام 1956مسيحي, الأمر الذي آلم معمر القذافي كثيراً, كما لعب معمر القذافي دوراً بارزاً في إعداد وقيادة الانتفاضة الطلابية ضد النظام الملكي في ليبيا قبل الثورة 13-14 أي النار (يناير) عام 1964مسيحي, وهكذا كانت الأحداث السياسية هي المحرك لمعمر القذافي في الدفع بعجلة الثورة إلى الأمام, كما أثرت هذه الأحداث في توجيهه نحو الشكل الملائم لكل مرحلة من مراحل الإعداد للثورة أثناء فترة العمل السري لها, وتشكيل خلاياها فكانت لكل مرحلة متطلباتها ومعطياتها .. ورغم دقة كل مرحلة وما تحتاج من جهد ووقت فقد كان معمر القذافي كثير الاطلاع والقراءة من الكتب السياسية والتاريخية والاجتماعية والعسكرية وكذلك الروايات والقصص القصيرة والطويلة إلى الحواريات المسرحية, وما يؤكد انفتاح معمر القذافي وعمق ثقافته منذ الصغر واستيعابه لكل الأمور التي كانت تحدث من حوله, هو عمق فهمه اللامتناهي للأحداث السياسية وكان بعد لم يتجاوز العقد الثاني من عمره, وهو ما يؤكد تأثير السياسة في ثقافته وحواراته مع رفاقه وزملائه.

ومع تفتح وعيه تدخلت قراءات وخطب الزعيم الراحل جمال عبد الناصر لتلعب دوراً مهماً في تكوين شخصيته القيادية, غير أن ثقافة معمر قذافي تكونت من مركب تمتزج فيه الثقافة السياسية بهموم المواطن الليبي البسيط الحالم بالثورة والتغيير في الداخل.

وهكذا تنبه معمر القذافي بوعيه المبكر إلى أهمية الثقافة والأدب والفكر في التغيير الثوري والسياسي والاجتماعي في ليبيا, وتدل هذه البدايات الواعدة لمعمر القذافي المثقف على جديته منذ التفكير الأول للإعداد لقيام الثورة في ليبيا, كما تدل على تميزه بالحرص على القراءة, وبالنهم إلى المعرفة.

فمعمرالقذافي لم يكن مراهقاً تشغله نزوات الشباب المعتادة, بل كان في صباه شاباً جاداً في حمل هموم وطنه وأمته, وفي تنمية ثقافته, كما كان حريصاً على صلاته, فكانت استقامته الأخلاقية وحرصه على الإطلاع والتثقيف هما مفتاح شخصيته الفريدة والمتميزة, وفي السنوات الثلاث الأخيرة قبل قيام الثورة كان للأحداث السياسية والعسكرية التي مرت بها المنطقة العربية خاصة بعد نكسة العرب في حرب 1967مسيحي الأثر الكبير في شخص معمر القذافي وبضرورة التعجيل والدفع بالثورة في ليبيا إلى النور إزاء ضغوط الوضع السياسي العربي بعد هزيمة 1967مسيحي ونظراً للدور السلبي الذي كانت عليه في تلك الفترة في ظل النظام الملكي.

ومن هناك يمكن لنا القول: إن الثقافة السياسية لعبت دوراً في تكوين شخصية معمر القذافي قيادية وفي سبيل الثورة وانقاد ليبيا وتحقيق حلم رجل الشارع في ليبيا نأى معمر القذافي بطموحاته الفردية عن الهموم العامة, وضرب مثلاً فريداً في تكوين شخصية القائد الشعبي المثقف, فالوعي السياسي, والقراءة التاريخية ميّزت شخصيته القيادية والمعاصرة وثقافته الواسعة, ومن ثم توظيف هذه الثقافة من أجل رصد الواقع التاريخي والاجتماعي لليبيا قبل الثورة, ولإثارة الوعي والدعوة إلى التغيير في الوطن العربي والعالم.

وبعد قيام ثورة الفاتح في ليبيا في الأول من شهر الفاتح (سبتمبر) 1969مسيحي بقيادة العقيد معمر القذافي, كان واضحاً الدور المؤثر لشخصية القائد الثقافية من البيان الأول للثورة, ففي هذا البيان ارتفع القائد معمر القذافي في كفاحه السياسي المعبر عن هموم وتطلعات المواطن الليبي وعن روح الأمة العربية.

وبثورة الفاتح خرجت ليبيا من السذاجة السياسية ومن تسلية الحكم الملكي, ومن الزخرفة والتقعر إلى الثورة, إلى الشمس والحرية والانتشار والتأثير في الساحتين العربية والدولية.

وقد أثمرت ثقافة معمر القذافي القائد الشاملة للفكر والآداب المتفتحة المتمثلة في فكر مفتوح على كل التجارب, وحق المواطن في ثقافة حرة, وقومية الثقافة وتأكيد دور الثقافة الاجتماعية في النهوض وبناء الإنسان المؤمن بحقه في الحياة والحرية والعدل والمساواة مع مجانية التعليم ونجح القائد معمر القذافي في تحقيق حلمه قبل الثورة وبعدها في الخروج للثقافة من دائرة الأثرياء المترفة المحدودة إلى ثقافة كل الجماهير, في المدن والقرى والأرياف لتشكل وجدان الإنسان الجديد في عصر الثقافة الجماهيرية, وإتاحة الفرصة للمواطن الليبي البسيط في أن يتعلم وأن يتثقف, وأن يبدع, وكان خطاب زوارة التاريخي للقائد في الخامس عشر من شهر الطير ابريل عام 1973مسيحي المرشد والمؤكد على توجهات القائد الثورية نحو الثقافة الشعبية الجماهيرية.

وقد عبر القائد معمر القذافي في البدايات الأولى للثورة عن مفاهيمه وأدائه وانتماءاته السياسية والفكرية والثقافية, والتي تتمثل في إيمانه المطلق بالعدالة وبالديمقراطية والاشتراكية وقد جسد القائد معمر القذافي هذه الأفكار والرؤى في (النظرية العالمية الثالثة) التي قدمها في العام 1976مسيحي للعالم.. في (الكتاب الأخضر) بفصوله الثلاثة: الديمقراطي, والاقتصادي, والاجتماعي والذي يعكس عمق ثقافة القائد, وقراءاته التاريخية ومراحلها ولتطلعاته نحو مجتمع فاضل.

إن النظرية العالمية الثالثة هي خلاصة فكر وتجربة تاريخية عميقة وفريدة, ما كان لأحد أن يصل إليها غير معمر القذافي, وسعة ثقافته ومداركه, وفي الثاني من شهر الربيع (مارس) 1977مسيحي قدم قائد ثورة الفاتح في ليبيا فكرته وأطروحته السياسية الجديدة في العالم, وذلك بقيام سلطة الشعب في ليبيا ومولد أول جماهيرية في التاريخ حيث يمتلك الشعب سلطته ويمارسها في نظام حر وبديع عن طريق المؤتمرات الشعبية الأساسية واللجان الشعبية, وبذلك قدمت الجماهيرية الليبية الحل الجذري لمشكلة الديمقراطية في العالم, والصراع على السلطة, وهذا يدل على مدى عظمة الأفكار والثقافة التي يتمتع بها القائد معمر القذافي والتي تمكنه من تقديم الحلول المستعصية والعقيمة برؤية معاصرة ومتحضرة.

aljamahir