«الموقف الليبي» تحيي ذكرى عيد «الفاتح» تقرير.. ما كانت عليه ليبيا أبان حكم «القذافي»

وبالرغم من المؤامرة، والتى نفذتها القوى العميلة المرتبطة بالاستعمار عام 2011، إلا أن الشعب الليبى بصبره وصموده يعى حقيقة ثورة الفاتح

تحين ذكرى عيد ثورة الفاتح من سبتمبر العظيمة ذلك الحدث التاريخى الذى غير مجرى التاريخ فى ليبيا، وأسس لأول مرة منذ قرون لسلطة وطنية مكنت الليبيين من تقرير مصيرهم وإدارة أمورهم، وأنهت الهيمنة الأجنبية على ليبيا، وكسرت طغيان الدول الإستعمارية، وحققت قدر كبير من العدالة الإجتماعية بين الليبيين، وأطلقت مشروعات للتنمية الوطنية حولت ليبيا من إحدى أفقر عشر دول فى العالم إلى دولة متقدمة متطورة، ويأتي على رأس تلك الكمشروعات مشروع النهر الصناعي العظيم.

وبالرغم من المؤامرة على ثورة الفاتح، والتى نفذتها القوى العميلة المرتبطة بالاستعمار عام 2011، ومحاولاته تشويه وتزوير التاريخ الناصع المجيد لثورة الفاتح، وقيادتها التاريخية ورموزها، إلا أن الشعب الليبى بصبره وصموده يعى حقيقة ثورة الفاتح.

الموقف الليبي تحيي الذكرى الـ 47 لثورة الفاتح فى التقرير التالي:

وصفوها في بداية الأمر بانقلاب عسكري، حدث في الجماهيريَّة العربيَّة الليبيَّة، في 1 الفاتح/سبتمبر عام 1969؛ ونعتوها لاحقًا بـ “ثورة الفاتح من سبتمبر”، التي أودت بحياة حُكم المملكة الليبيَّة، وأعلنت قيام “الجمهوريَّة العربيَّة الليبيَّة”.

يحكي قائد الثورة، الرئيس الراحل، معمّر القذافي، في كتابِهِ “قِصَّة الثورة”، أنهُ من المستحيل تحديد يوم بعينِهِ لبدايةِ الثورةِ، كما هو الحال في أيَّة ثورة، لا يمكن تحديد بداية لها؛ عكس الانقلاب، الذي هو “خاطِرة طارئة، تطرأ على خاطر القادة الكبار”.

 استُهِلَّت الاجتماعات لوضع منهج يُغطى جميع عناصر، وأدوات الثورة على الحكم السنوسي في ليبيا، في مدينة سبها؛ حيث تكوَّنت أول لجنة قياديَّة في المدرسة الثانوية، حيث ازداد عدد المشاركين للقيام بالثورة تشعبًا داخل صفوف الشباب.

 أول تَظاهُرة قادت إلى الثورة تم تجهيز أول تظاهُرة وحدويَّة في سبها، 5 التمور/أكتوبر من العام 1961، قادها القذافي، ومعهُ عدد من العناصر التي آمنت بفكرة الثورة، كانت أجواء التظاهرة عروبيَّة خالِصة، حيث طالبت بالوحدة العربية بعد انفصال سوريا عن الوحدة مع مصر.

من هُنا انطلقت ثورة شعبيَّة عارِمة، لا تنادى بالوحدة والتحرير فقط، بل وتندِّد بالحُكم الرجعي، وتوقَّع الكثيرون أنها مجرَّد عمليَّة عفويَّة، أو حركة عابِرة؛ لكن الحقيقة أن تظاهُرة سبها كانت بداية الاصطدام بالسُلطات القمعيَّة آنها،  انتقل القذافي بعد هذه التظاهرة – التي تعرَّض خلالها للمساءلة من قبل السلطات القمعيَّة في ولاية فزان – إلى مدينة مصراته للدراسة بها، وليعمل على إنشاء المزيد من المجموعات الثوريَّة.

التحق بالقذافي بعد العام 1963، مجموعات كثيرة بالكليَّة العسكريَّة، كان من ضمنهم بعض أفراد الخليَّة الأولى؛ وواصلت هذه المجموعة عملها من داخل الكلية العسكرية.

في العام 1964، تقرَّر إعادة تنظيم الحركة الثورية؛ حيث قُسِّمت إلى حركة عسكريَّة وأخرى مدنيَّة؛ وأصبحت المجموعة العسكريَّة هي الأهم، وقامت المجموعة الأخيرة بتشكيل لجنة مركزيَّة تتكوَّن من العسكريّين فقط.

أما المجموعة المدنية؛ فقد شَكِّلَت لجنة شعبيَّة، تعمل بصفة مُستقلَّة بشكل كُلِّي من الناحية التنظيميَّة عن اللجنة المركزية للضباط الوحدويّين الأحرار.

تعرَّض العمل الشعبي من الناحية الشعبيَّة للعرقلة، نتيجة للاضطهاد الذي كان سائدًا في العهد الملكي؛ إلا أنهُ سرعان ما استطاع أن يخلق وسطًا له مناعة ضد الحزبيَّة والانقسام؛ فتمكَّن بذلك من أن يَحول بين الشباب والحركات الهدّامة الأخرى.

شاركت اللجنة المركزيَّة لتنظيم الضباط الوحدويّين الأحرار بكافة الأنشطة الثورية في سريَّة تامة؛ حيث كانت السرية ضرورة ملحة وكانت اللجنة المركزيَّة مسئولة عن كافة المسائل التنظيميَّة.

أولى اجتماعات مركزيَّة الثورة عقدت اللجنة المركزيَّة أول اجتماع لها، بعد إعادة تنظيمها، في بلدة طلميثة التي تقع على ساحل البحر المتوسط، وتبعد عن مدينة بنغازي بـ 110 كيلوا متر تقريبًا من ناحية الشرق، وبعد ذلك توالت اجتماعات اللجنة المركزيَّة للضباط الوحدويّين الأحرار، التي كانت تتم بالسرِّية التامة، وكانت هذه الاجتماعات تعقد بصفة دوريَّة في اجتماعات مطولة مرهقة خارج المدن الرئيسية، كما كانت هذه الاجتماعات تتم أيام العطلات الرسمية والأعياد رغبة في عدم إثارة الانتباه إلى تغيب أعضاء اللجنة المركزيَّة في الأيام العادية.

كما فرضت اللجنة المركزيَّة على أعضائها قيوداً حادة، حيث فرضت على أعضائها الضباط الوحدويّين الأحرار شروطا مُلزِمة تجاه الالتزام الأخلاقي والديني، إضافة إلى انه ضمن خطط اللجنة المركزيَّة انتساب أعضائها إلى الجامعة ليتخصَّص كل منهم في علم معين، حيث شهدت كليات الجامعة الليبية في ذلك الوقت إقبالاً غير معهود لانتساب العسكريّين إليها.

كما أنه في الاجتماع الثاني الذي عقدته اللجنة المركزيَّة بمنطقة سيدي خليفة، التي تقع على بعد 20 كيلو مترا إلى الشرق من مدينة بنغازي، تقرَّر إنشاء صندوق توفير للصرف على نشاط الحركة وانتقالات أعضاء اللجنة المركزية، وقد تم الاتفاق على أن يؤجَّل إقرار هذا الأمر إلى اجتماع آخر.

وعقب الاجتماع الثاني قام أعضاء اللجنة بجس نبض التشكيلات فوجدوا استعدادها للبذل دون حساب، تقرر في اجتماع آخر عقد بنفس المكان أن تكون رواتب جميع الضباط الوحدويين الأحرار، وفى مقدمتها رواتب أعضاء اللجنة المركزية رصيدًا للحركة، تؤخذ في أي وقت وبدون تحديد للمقدار، وذلك للإنفاق منها على تذاكر سفر الضباط وعائلات أعضاء التنظيم في النواحي المختلفة .

في الاجتماع الثالث الذي عقد بأحد الفنادق الصغيرة في مدينة بنغازي، تقرَّر أن يقدم كل عضو من أعضاء اللجنة المركزيَّة للضباط الوحدويّين الأحرار تقريرًا شهريًا، عن الضباط غير المنضمين للحركة خاصة من ذوى الرتب الكبيرة، وذلك لمعرفة استعدادهم للانضمام للحركة، حتى لا يشعروا بالظلم عند الحكم عليهم بالتقاعس أو الخيانة بعد قيام الثورة، ولقد كان معظم الضباط من ذوى الرتب الكبيرة متردِّدين ويملأهم اليأس.

 أما قوات الأمن فقد كانت هناك تشكيلات منها داخل الحركة، فكانوا مغلوبين على أمرهم، توالت بعد ذلك اجتماعات اللجنة المركزيَّة لحركة الضباط الوحدويّين الأحرار، التي كانت تنعقد في أماكن متفرقة من أنحاء ليبيا، وكلما سمحت الظروف في أوقات الأعياد والعطلات.

أول منشور للثورة 

أول منشور للثورة صدر المنشور السري الأول للثورة، في يناير/أى النار من العام 1969، وقد كتبه القذافي في معسكر قار يونس بمدينة بنغازي، لمعرفة ما إذا كان الضباط الوحدويّون الأحرار يستطيعون السيطرة على جميع وحدات القوات المسلَّحة والقيام بعملية مسح للقوات والأفراد والذخيرة الواجب توافرها لتفجير الثورة.

  عقد الاتفاق على أن يكون يوم 24 الربيع/مارس في العام 1969، موعدًا لتفجير الثورة، لكن قرار سفر الملك المفاجى إلى مقر إقامته في طبرق دفع الضباط الوحدويّين الأحرار إلى تغيير خطَّطهم، على الرغم من أن بعض الوحدات بدأت تستعد للتحرُّك، تم تأجيل الموعد إلى أجل غير مُسمّى؛ تقرَّر بعدها القبض على قائد الثورة من قِبل سلطات العهد الفائت، لكن مشيئة الله حالت دون تنفيذه.

عقد اجتماع عسكري

وفى 13 أغسطس/هانيبال عام 1969 قرَّرت قيادة الجيش عقد اجتماع عسكري تحضره كل القيادات الكبيرة، ومعظم ضباط وحدات الجيش في منطقة بنغازي، ليشرح مدير التدريب آنذاك لهؤلاء الضباط الوحدويّين الأحرار أهمية نظام الدفاع الجوى الذي صمَّمه الانجليز، ووافق عملائهم في ليبيا على شرائه.

كان هذا الاجتماع في مسرح الكليَّة العسكريَّة في بنغازي، وعقدت اللجنة المركزيَّة لحركة الضباط الوحدويّين الأحرار اجتماعًا قرَّرت فيه تفجير الثورة يوم 13 أغسطس، بأن يتم اعتقال كافة الضباط ذوى الرتب الكبيرة. ونظرًا لأن بعض أعضاء التنظيم، وخاصة مجموعة طرابلس لم يتمكَّنوا في هذا الوقت القصير من تبين صورة الوضع الذي هم فيه من حيث السيطرة وعدمها على وحدات طرابلس؛ لذا تقرَّر تأجيل الحركة إلى موعد آخر في الساعات الأخيرة، وقد حدَّدت اللجنة المركزيَّة موعد آخر لتفجير الثورة، هو الفاتح من الفاتح/سبتمبر 1969م، الموافق 19 جمادى الآخرة 1398هـ، لأن قيادة الجيش كانت على وشك إرسال دفعات أخرى من الضباط من بينهم ضباط وحدويّين أحرار للتدريب في الخارج.

وضعت الخطة على أساس الاستيلاء على الإذاعة، وعلى معسكرات الجيش، والقوة المتحرِّكة، ومحاصرة القواعد الأجنبية الجاثمة فوق الأرض الليبية، والقبض على كبار المسئولين السابقين من العهد البائد، والسيطرة على بقية المدن المهمة .

 “القدس” مفتاح الثورة

 “القدس” مفتاح الثورة وعقيدتها  كانت كلمة السر لتفجير الثورة هي “القدس”؛ ما له بالغ الدلالة على اعتبار قائد الثورة، وكل الضباط الوحدويّين الأحرار القضية الفلسطينية هي محض تركيزهم واهتمامهم وولائهم.  في اليوم الأول من الفاتح/سبتمبر عام 1969 تم السيطرة التامة على كافة شؤون البلاد، وانتصرت الثورة، ذاع قائد الثورة، الرئيس الراحل معمر القذافي البيان الأول للثورة.

أكملت ثورة الفاتح خطواتها، وانتصاراتها، بطرد بقايا الإيطاليين، واسترداد ثروة الشعب العربي الليبي، ما تحقَّق يوم 7 التمور/أكتوبر 1970.

ومما جنتهُ الثورة أيضًا أنها قد طرحت تصفية الألغام المزروعة في أرجاء الأرض الليبية، والتي كانت تعوق طموحات التنمية لعدم وجود الخرائط بالمواقع لإزالتها، وقد أكدت على هذا الحق قرارات الأمم المتحدة ومنظماتها المتخصصة وقرارات القمم ووزراء الخارجية للمؤتمرات الإفريقية والآسيوية والعربية، وبذلك أرست ثورة الفاتح الليبية قاعدة جديدة في العلاقات الدولية وهي أن المستعمر عليه أن يدفع ثمن عدوانه مهما طال الزمن، وان ضحايا جرائمه لا تسقط بالتقادم.

والمُلفِت أن هذه الثورة العظيمة قد ركزت في بدايتها على استرداد ثروة الشعب الليبي، وتوظيفها في مشروعات التنمية تعويضاً لهذا الشعب البطل والمكافح عن حرمان عهود بائدة فرضت عليه، فكانت المواجهة قد انطلقت عملياً بتأميم الشركات النفطية الاحتكارية مثل شركات شل والواحة بنكر هانت وموبيل اويل وغيرها من شركات أمريكية وبريطانية، وكان قد رفض المفاوض الليبي حينها قبول زيادة في الأسعار، بل أصرَّ على الحل الجذري وهو التأميم، ثم النجاح في إدارة تلك الشركات بسواعد وكفاءات وطنية.

  حيث أن قضية التنمية قد شغلت ثوار ليبيا، فكانت خطط التنمية التي بدأتها قيادة الثورة بزعامة القائد والمعلم السياسي والجماهيري الكبير العقيد معمر القذافي بما أسمته توفير المسكن اللائق للمواطن الليبي والاحتفال بتحطيم آخر كوخ ومساكن العشوائيات، فكان المنزل العصري مع تمليكه تطبيقاً للمقولة الشهيرة “البيت لساكنه”، وشملت خطة التنمية التوسع في التعليم المجاني في كل مراحله وكذا مظلة التأمين والضمان الاجتماعي وغيرها من المجالات الخدمية والتنموية التي شهدتها ليبيا في عهد الثورة وانتقلت من خلالها إلى نهضة عصرية شاملة.

 دعم الزعيم الراحل جمال عبد الناصر الثورة الليبية، بعد اطلاعه على اتجاهها الوحدوي، ثم دعمتها سورية، والعراق، والسودان، والجزائر، كان ملك ليبية إدريس السنوسي خارج ليبية عند قيام الثورة، ولذا تم كل شيء بهدوء وبلا صعوبات أو مقاومة حقيقية، ونادت الثورة بمقاومة الفساد والتمسك بالقيم والمبادئ والوحدة، ولقيت تأييداً كما لقيت معارضة.

جرى تنظيم العمل وقيام المؤسسات، خلال شهر بعد قيام الثورة، وتشكَّلت حكومة ومجلس ثورة ومجلس وزراء ومخابرات عامة، واستبدل فيما بعد أسماء الوزارات بأسماء أمانات شعبية عامة كون الذين يديرون البلد ليسوا حكومة (تقليدية)، واتخذت الثورة مدينة بنغازي، التي لُقبت بمدينة “البيان الأول”، مقراً لها، وتمَّ إعلان الدستور.

  راقبَ جمال عبد الناصر ورجاله تطوُّر الوضع في ليبيا باهتمام، حفاظاً عليها، وقبل القذافي اقتراح جمال عبد الناصر، بخصوص إقامة الملك السابق إدريس السنوسي في القاهرة، حتى لا يصبح عرضة للتأثير الأمريكي في أثينا؛ وركَّز مجلس قيادة الثورة كلَّ السلطات بيده، ووزَّعت داخلهُ الاختصاصات، بمساعدة على الخبرة المصرية.

  حاول بعض قادة الجيش في ذات عام الثورة القيام بانقلابات عسكرية عليها، في نوفمبر/الحرث 1969، ويونيو/الصيف 1970، وكذلك في مايو/الماء1970، ولكنها أخفقت وقُبض على منظميها؛ كما تعرضت الثورة فيما بعد أيضاً لمحاولات انقلابية فاشلة.

فِكر الثورة وأسلوب الحُكم  

فِكر الثورة وأسلوب الحُكم  أعلن قيام سلطة الشعب ما بين 13-14 نوفمبر/الحرث 1976، وتتمثَّل في:  1- يكون الاسم الرسمي لليبية «الجماهيرية العربية الليبية الشعبية الاشتراكية»، ثمَّ أُضيف إليها «العظمى».  2- القرآن الكريم شريعة المجتمع.  3- السلطة الشعبية المباشرة هي أساس النظام السياسي، فالسلطة للشعب يمارسها عن طريق المؤتمرات الشعبية وصولاً إلى المؤتمر الشعبي العام. 4- الدفاع عن الوطن مسؤولية كل مواطن، وعلى المواطنين ممارسة التدريب العسكري وإعداد الأطر اللازمة لذلك.

الاتفاقات الوحدويَّة والبُعد القومي ركَّزت قيادة الثورة الليبية، خاصةً القذافي، على الوحدة العربية، ولم تترك فرصةً أو مناسبةً إلا وعقدت اتفاق وحدة مع دولة عربية، وأهمُّ هذه الاتفاقيات: ميثاق طرابلس بين ليبيا ومصر والسودان في 6/6/1970 لإقامة اتحاد بين الدول الثلاثة، ثمَّ الاتفاق على قيام اتحاد الجمهوريات العربية الثلاث ما بين ليبيا ومصر وسورية في 17 نيسان 1971، الذي بقي قائماً بين الأقطار الثلاثة حتى زيارة السادات للقدس وسيره في طريق الصلح المنفرد مع الكيان الصهيوني.

ووقَّع القذافي “اتفاق وجدة” مع تونس لقيام اتحاد بين الدولتين في 12/1/1974، لكنه تعثَّر ولم يستمر أيضاً، كما قام اتحاد دول المغرب العربي بين ليبية وتونس والجزائر والمغرب وموريتانية في 17/12/1989، وهو مُعطَّل منذ مدة طويلة، بسبب الخلافات السياسية والحدودية، ومع أن القذافي قد أعلن أنَّه لا ييأس من تحقيق الوحدة العربية، فقد حول جهوده نحو الوحدة الإفريقية، وكان له دور مهم في توقيع ميثاق الاتحاد الإفريقي عام 2002.

أما البعد القومي الوحدوي فقد ظل و لا يزال يشكل بعداً مهماً في توجهات ثورة الفاتح من سبتمبر، وزعيمها القومي العربي الكبير معمر القذافي وسعيه ونضاله الدؤوب في سبيل تحقيق الوحدة العربية الشاملة بين جماهير الأمة، التي تجمعهم عمق الروابط الاجتماعية والتاريخية، بما يكفل تحطيم البوابات الإقليمية والقطرية المصطنعة، والحواجز الوهمية، وإزالة الحدود التي كرسها الاستعمار بين أبناء الأمة العربية الواحدة، ولقد قدمت ليبيا نموذجاً للروح الوحدوية، بأن جعلت من أراضيها أرضًا لكل العرب، وأرست مبدأ المساواة بين المواطن الليبي والعربي، في كل الحقوق والواجبات.

 كما كانت مواقف ليبيا بزعامة القائد معمر القذافي، تجاه القضايا العربية ومنها قضية فلسطين والقضايا الأخرى، وكذا تجاه القضايا الإسلامية والإقليمية والدولية، مواقف راقية وشجاعة للغاية، بما يضع ليبيا في الريادة خدمة لقضايا الأمن والاستقرار والسلام في المنطقة والعالم، وخدمة لمصالح الأمة العربية والإنسانية.

الحروب والنزاعات بات خلاف بين ليبيا وتشاد على منطقة أوزو الحدوديَّة، وقامت حروب متتالية بين الطرفين، ثم استعادتها تشاد سنة 1994، وكانت المشكلة الأخرى هي قضية الغارة الأمريكية على ليبيا مستهدفة بيت القذافي في طرابلس في 15 أبريل/الطير 1986، بأمر الرئيس الأمريكي ريغان، والسبب هو موقف الثورة المعادي لأمريكا كدولة امبريالية خطيرة على العرب والعالم.

أدخل العقيد القذافي أسلوباً جديداً في الحكم، وكان بحسب رأيه، لا يخصُّ ليبيا وحدها ولا العرب أو المسلمين، وإنَّما هو نظام عالمي جديد، قائم على نظرية شاملة تبناها ورآها حلاً لمشكلات العالم أجمع، وسُمِّيت “النظرية العالمية الثالثة” إذ إنَّ النظرية الأولى تخصُّ الرأسمالية والنظرية الثانية تخصُّ الشيوعية والاشتراكية، أمَّا النظرية الثالثة، فتقوم على الإسلام والاشتراكية والإنسانية والتقدُّم، وهي أُسُس المجتمع الجديد للتحرُّر من أدوات الحُكم القديمة.، ودُوِّنتْ هذه النظرية في “الكتاب الأخضر”.

القواعد الأجنبية السابقة كان لبريطانيا قاعدتان عسكريتان في ليبيا، جويَّة وبحريَّة، وكان للولايات المتحدة الأمريكية قاعدة جوية في الملاحة (ويلز)، واتصلت الدولتان مع قيادة الثورة بشأن القواعد، وأعلنت الحكومة الأمريكية اعترافها بالثورة مقابل احتفاظها بقواعدها في ليبيا بحسب الاتفاقيات السابقة واستمرار التعاون بين البلدين.

وتقدَّمت بريطانيا بطلب مماثل، لكنَّ قيادة الثورة طلبت الجلاء عن القواعد، وتمَّ الاتفاق على ذلك بلا معوقات فعليَّة، أو مقاومة عسكريَّة، وتمَّ جلاء البريطانيين باحتفالات شعبية عظيمة في 30 مارس/الربيع 1970، كما جلت القوات الأمريكيَّة عن قاعدتها في 5 أيار من العام نفسه، وتحرَّرَت ليبيا من القواعد الاستعمارية.

قيام سلطة الشعب

أعلن القدافي بعد العام 1977، ما أسماهُ “قيام سلطة الشعب و مولد أول جماهيرية في التاريخ”، كمفهوم لأول نظام سياسي بعد الجمهورية، وتخلى معمر القذافي رسميًا عن رئاسة مجلس قيادة الثورة، وأصبح قائدًا للثورة، وصار الاسم الرسمي لليبيا هو “الجماهيرية العربية الليبية الشعبية الاشتراكية”، واكتفى القذافي بدوره التحريضي والترشيدي الذي قام به.

رغم أن إرشاداته وآرائه مجبر الأخذ بها وتطبيقها، القذافي وقام القذافي بتأسيس حركة اللجان الثورية في العام 1977، دوَّن القذافي “النظرية العالمية الثالثة” في “الكتاب الأخضر”، في العام 1977، وهو كتاب صغير مُؤلَّف من ثلاثة فصول، شرحت ما معنى سلطة الشعب، وكيف يمكن تطبيقها كحل نهائي لمفهوم الديمقراطية؛ كما طرحت و شرحت حلول نهائية للمشاكل الاجتماعية والاقتصادية.

الكتاب الأخضر

ولقد اعتبر الكتاب الأخضر الإطار و المنهج السياسي في ليبيا، وجرم الأحزاب ومنعها. اختصَّت فصول الكتاب الثلاثة في الآتي بالتوالي:   1- وفيه الحل للمشكلة الديمقراطية، ويسميها بسلطة الشعب، وينص على رفض أدوات الحكم التقليدية كالمجالس النيابية والأحزاب والطبقات والانتخابات، والاعتماد على المؤتمرات الشعبية التي تُصعِّد لجاناً شعبية، وتشكِّل في مجموعها المؤتمر الشعبي العام، مع التأكيد على أن شريعة المجتمع هي العرف والدين وما عداهما باطل.   2- وفيه حلُّ المشكلة الاقتصادية، وينصُّ على تحرير العمال من عبودية العمل، ووجوب مشاركتهم في إدارة العمل وإنتاجه، وينصُّ على أنَّ الحاجة تكمن في الحرية، والبيت لساكنه، والأرض ليست ملكاً لأحد، والمنزل يخدمه أهله، ولا أُجَرَاءَ في المجتمع الاشتراكي.   3- وفيه حلُّ المشكلة الاجتماعية، ووجوب اعتماد الأسرة والقبيلة والأمة والمرأة والأقليات والتعليم والفنون والرياضة.

 النظر نحو إفريقيا لعبت الدول الأفريقية دورًا هاما في تليين موقف أمريكا وبريطانيا، في القبول بالشروط الليبية بشأن قضية لوكربي، وذلك باتخاذها قرارًا في قمة واجادوجو لرؤساء دول وحكومات منظمة الوحدة الأفريقية، بكسر الحظر المفروض من مجلس الأمن الدولي على ليبيا، بحلول شهر الفاتح/سبتمبر من نفس العام الذي عقدت فيه القمة ما لم تستجب الدولتان للشروط الليبية.

ولعل هذا ما دعم توجهات معمّر القذافي الأفريقية، خاصة وأن الظروف الدولية قد شهدت العديد من المستجدات التي تدفع باتجاه توحيد القارة؛ فأسس في العام 1989 تجمع دول الساحل والصحراء، الذي يضم الآن 23 دولة في عضويته، كما بذل معمّر القذافي عقب ذلك جهودًا حثيثة، لتطوير منظمة الوحدة الأفريقية وتحويلها إلى الإتحاد الأفريقي، وهو ما نجح فيه بالفعل في قمة سرت للقادة الأفارقة، التي عقدت في 9 الفاتح/سبتمبر 1999، والمعروف ب9.9.1999، والتي صدر عنها إعلان سرت الشهير؛ كما فتح أبواب ليبيا على أفريقيا بصورة واسعة ليست عليها من قبل؛ أيضًا فقد سعى حاليا إلى قيام الولايات المتحدة الأفريقية؛ ورعى مباحثات السلام في دارفور.

نظرية القذافي في الحُكم 

قدَّم معمر القذافي نظرية سياسية في الحكم، تقوم على سلطة الشعب عن طريق الديمقراطية المباشرة؛ من خلال المؤتمرات الشعبية، كأداة للتشريع؛ واللجان الشعبية، كأداة للتنفيذ.

ألَّف الكتاب الأخضر في سبعينيّات القرن العشرين، فشمل نظرية تطرح الاشتراكية بصورة لم تظهر من قبل.

القذافي ومشكلة الشرق الأوسط

وعن رأي القذافي في مشكلة الشرق الأوسط، فقد كتب في الكتاب الأبيض “إسراطين”، الذي أورد آراء وتصورات لعرب ويهود وساسة من الغرب، ومشاريع دولية تزكي وتؤيد الحل الذي يقترحه في الكتاب الأبيض، بإقامة دولة واحدة مندمجة للفلسطينيين واليهود (إسراطين)، ووفق قراءة ورؤية لجذور المشكلة ومسبباتها وأبعادها.

مشاريع الثورة وإنجازاتها

مشاريع الثورة وإنجازاتها الصناعة يُعدُّ النَّهر الصناعي العظيم لجر المياه الجوفية من مكامنها في الصحراء الليبية إلى المنطقة الساحلية في الشمال، من أعظم الإنجازات، بدأ العمل به سنة 1984 ومازال، وكلف مبالغ ضخمة وأعداداً هائلة من الأنابيب العملاقة، وسيكون له أثر كبير في تطوير الزراعة وتزويد السكان بمياه الشرب.

كما تمَّ تنفيذ عدد من المشروعات الزراعية الكبيرة في منطقتي الجبل الأخضر وواحات فزان في نطاق ثورة زراعية تسعى إلى الاكتفاء الذاتي بالمحاصيل الزراعية والثروة الحيوانية، كما شَهد القطاع الصناعي تطوراً كبيراً وأُقيم كثير من المشروعات والمنشآت الصناعية الغذائية والتحويلية والكيميائية والبترولية والمعدنية والكهربائية، وعلى رأسها إقامة مجمع الحديد والصلب في مدينة سرت.

واستهدفت برامج التخطيط الاقتصادي في ليبيا في السنوات الأخيرة بالدرجة الأولى الاستفادة من إيرادات النفط لرفع معدل النمو في القطاعات غير النفطية،ورفع مستوى معيشة الشعب.

وتؤمن ليبيا بأن غايتها هذه لن تتحقق إلا في إعادة توزيع الثروة على نطاق واسع والقضاء على الملكية الخاصة الزائدة وإقامة جهاز يتسم بالشمولية للرقابة على الأسعار.

واستمرت في السنوات الأخيرة المساعي الحثيثة لتوسيع مساهمة القطاع الخاص في النشاط الاقتصادي.وحدد القانون رقم 9 للسنة1992الأسس لإقامة شركات قابضة ومشتركة وأتاح أيضاً تخصيص مؤسسات القطاع العام.

وأفسح المجال أمام القطاع الخاص للدخول في أنشطة التجارة بالجملة بعدما كانت شركات القطاع الخاص تتعامل فقط في النشاط التجاري بالمفرد. كما صدر قانون للصيرفة والأموال والائتمان الذي عزز الإجراءات الاقتصادية السابقة.

ومهد القانون لإقامة مصارف تجارية مملوكة للقطاع الخاص بصورة شركات مشتركة وأتاح أيضاً فتح فروع محلية للمصارف الأجنبية.

النفط والغاز، التي كانا عماد الاقتصاد منذ الاستقلال في العام 1951، تتركز بالدرجة الأولى في حوض سرت، وكذلك في الجنوب الغربي قرب الحدود مع الجزائر، حيث اكتشفت كميات قليلة في أماكن متفرقة. وتم اكتشاف مصادر نفطية أخرى في عرض البحر إلى الغرب من طرابلس وفي منطقة الحمادة الحمراء الوسطى.

لاح تطوير الصناعة النفطية، ليهيئ ظروفاً مناسبة لإعادة النظر في الأنشطة الاقتصادية، وأنماط الاستيطان التي كانت تتركَّز في مدينتي طرابلس وبنغازي، أو حولهما،على الرغم من وجود عوامل مضادة قوية، مثل زيادة إقبال المواطنين على الاستيطان في المدن، نتيجة الزيادة في عدد الوظائف الحكومية، والمزايا المناخية والطبيعية التي تتمتع بها المناطق الساحلية.

ولم يبدأ الإنتاج النفطي في ليبيا إلا بعد أن نالت البلاد استقلالها.وسرعان ما أصبحت ليبيا، ولاسيما بعد أزمة قناة السويس العام 1956،محط أنظار شركات النفط الغربية التي كانت تواقة إلى اكتشاف خامات نفطية غربي القناة.وبحلول العام 1960كانت هناك 20 شركة نفطية تقوم بأعمال التنقيب عن النفط في 95منطقة للامتيازات النفطية،غطت 65المائة من الأراضي السطحية.وأصبحت ليبيا دولة مصدرة للنفط العام 1961وانضمت إلى الأوبك في السنة التالية.

وارتفعت صادراتها النفطية من14.400برميل يومياً العام 1961إلى3.312.900برميل يومياً بنهاية العقد.

 ورافقت مجيء الحكومة الثورية تغيرات جذرية في بنية وسياسة القطاع النفطي.إذ نجحت ليبيا في وقف نمط الأسعار المعلنة الثابتة التي التزمت بها هي وبقية دول الأوبك طوال الستينات وبدأت تطالب بحصة لا تقل عن 51بالمائة من جميع الامتيازات والإنتاج.ومنذ ذلك ارتفعت حصة شركة النفط الوطنية الليبية إلى 80بالمائة من الإنتاج النفطي الليبي وذلك على أثر انسحاب “شركات النفط الرئيسية”.

وبعد تأسيس شركة الاستثمارات النفطية الدولية وليبيا تنتهج استرتيجية للمشاريع الأمامية في ميدان الصناعة النفطية تركز على الأسواق الأوروبية.

وينعكس البناء الناجح خلال السنوات الأخيرة لشبكة تكرير وتوزيع ليبية في أوروبا في حصة النفط الخام الليبي البالغة 15بالمائة من النفط الذي كان يوزع عبر هذه الشبكة الأوربية لعام 1992.ومنذ العام 1970وليبيا تفضل سياسة سعرية نفطية تقوم على الإيراد العالي لكل وحدة وبرمجة الإنتاج بما يكفل إطالة عمر احتياطاتها النفطية التي تقدر بحوالي 45بليون برميل ويعزز قوتها الإرادية.

إنتاج الغـــــــــــاز وتنتج ليبيا الغاز وتصدره منذ مطلع السبعينات عندما كانت بين قلة من دول الأوبك التي كانت لها مرافق لتسييل الغاز.وتقدر احتياطاتها الهائلة من الغاز بنحو 43ترليون قدم مكعب وقد عملت على إنجاز عدد من المعامل الصناعية الهدف منها توسيع نطاق الاستفادة من هذا المورد القيم.

يحول جزء أكبر من مساهمة النفط والغاز في الاقتصاد إلى القطاع الصناعي وإلى مصافي البلاد ومصانعها لإنتاج البتر وكيماويات.

الصناعات الثقيلة كانت ليبيا وما تزال تستثمر أموال طائلة في قطاع الصناعات الثقيلة وتنعكس ثمار هذه الاستثمارات في مصانع تعمل وأخرى لاتزال قيد الإنشاء في مواقع متباعدة نسبياً على طول الساحل الليبي.

وإلى جانب توسيع طاقة تكرير النفط في مجمع رأس لانوف تنتج ليبيا المواد الكيماوية التي أساسها الميثان _كالميثانول واليوريا والأمونيا_في مجمع مرسى البرقية وبدأت بإنتاج الاثلين ومشتقاته من خط معالجة النفتا في مصفاة رأس لانوف.

وتم إنشاء مجمع لصناعة الحديد والصلب في مصراتة يعتمد على الطاقة المكثفة في حين بدأت عمليات التشغيل التجريبي لمجمع كيماوي يتألف من أربع وحدات في أبو خماش جنوبي طرابلس قرب الحدود مع تونس.

وعلى الرغم من أن غايات التصدير الأساسية إقامة أو التخطيط لإقامة هذه الصناعات في المنطقة الساحلية تسهيلاً لعمليات التصدير لمنتجاتها فقد تمت أقامة مصانع إسمنت في مواقع جنوبية في منطقة الخليج.

بصرف النظر عن التطورات العصيبة يعمل الاقتصاد الليبي بشكل طبيعي.

فصادرات النفط والغاز،من حيث حجمها، مستقرة تقريباً،في حين تمت الموافقة على تنفيذ مشاريع جديدة في قطاعي الصناعة والبنية التحتية أو هي قيد التنفيذ حالياً وواصلت ليبيا إستراتيجية الاستثمار المباشر في الخارج خاصة في المشاريع الأمامية في قطاع الصناعة النفطية.

التخطيط والزراعة في إطار التخطيط الإقليمي حتى العام 2000، فقد تم تقسيم ليبيا إلى أربع مناطق – طرابلس وبنغازي وسبها والخليج – على أنه يوجد اتجاه واضح نحو تركيز الاهتمام بالدرجة الأولى على منطقتي سبها والخليج اللتين تقعان على خط يقسم منطقة فزان ويمتد جنوباً من مصراتة.

وعزز اكتشاف احتياطات للمياه الجوفية في الجنوب الشرقي والجنوب الغربي، أثناء عمليات التنقيب عن النفط،تصميم ليبيا على توطين المناطق النائية الداخلية من البلاد، حيث أن المياه الجوفية هذه كافية لإقامة محطات زراعية تجريبية، إضافة إلى وجود رواسب خام الحديد في المنطقة الشرقية وعودة الحركة إلى الطرق التجارية المؤدية إلى البلدان الواقعة إلى الجنوب من ليبيا.

التعليــــــــــــــــــــــــــــــــم أمَّا في قطاع التعليم، فطُبق التعليم المجاني في جميع مراحل التعليم، والإلزامي منه في المرحلة الابتدائية، وأُنشئت مئات المدارس في الأرياف والمناطق النائية، وانخفضت نسبة الأمية في ليبية، كما أُنشئت الجامعات والمعاهد والمدارس الصناعية والفنية في سائر أنحاء الجماهيرية.

الصحـــــــــــــــــــــــــــــــــــة شَهد قطاع الصحة تطوراً كبيراً، فأُقيمت المشافي والمستوصفات والعيادات الطبية العامة في كل مكان، لتقدم الخدمات الصحية المجانية للجميع. كما نُفِّذَتْ الكثير من المشاريع في قطاع السكن والنقل والاتصالات والطرقات والمطارات والمرافئ.