جنوب غرب ليبيا وجهة داعش القادمة

يشكل الجنوب الليبي خاصرة رخوة، قد يستغلها تنظيم الدولة الإسلامية لإعادة رص صفوفه بعد الخسائر التي مني بها في مدينة سرت، وللمنطقة الجنوبية خصائص عدة تجعلها محط أنظار التنظيم لعل أهمها الثروات النفطية التي تكتنزها فضلا عن موقعها الجغرافي الذي يشكل نقطة التقاء الجماعات المتشددة الناشطة في الساحل الأفريقي.

توالى التحذيرات من تحول الجنوب الليبي إلى معقل جديد لتنظيم الدولة الإسلامية، بعد خسارة مدينة سرت. وكانت تقارير سابقة قد حذرت من أن التنظيم المتطرف يملك عديد الخلايا في الجنوب الغربي خاصة، إلا أنه يلتزم الحذر في الإعلان عن وجوده هناك في ظل النفوذ القبلي القوي.

ويعد الجنوب الليبي المعروف بصحرائه الممتدة مسلك عبور لعصابات التهريب وتجار الممنوعات، كما أنه منطقة ساخنة بالصراعات القبلية خاصة بين التبو والطوارق.

ويحتوي على ثروة نفطية هائلة تسيل لعاب التنظيمات المتشددة، وهو قريب جغرافيا من مالي والنيجر حيث يتركز نشاط فروع القاعدة خاصة.

ومن هذا المنطلق يشكل الجنوب منطقة جذب لعناصر تنظيم الدولة الإسلامية الفارين من المعارك في سرت.

وقال محمد أقليوان، المتحدث الإعلامي للقوة العسكرية الثالثة التابعة لحكومة الوفاق الليبية، إن القوة رفعت درجة التأهب والاستعداد في حقل “الشرارة” النفطي (جنوب) وكل المناطق الجنوبية، تحسبا لفرار مقاتلين لتنظيم داعش من سرت (وسط شمال) نحو الجنوب.

وأضاف أقليوان أن درجة التأهب والاستعداد سيتم تنفيذها عمليا اعتبارا من السبت “وذلك بزيادة عدد الدوريات الصحراوية للقوة، وإجراء عمليات التفتيش بشكل دقيق في كل البوابات الواقعة ما بين مدينة سبها (جنوب) ومدينة سرت”.

وفي وقت سابق نفى المتحدث باسم عملية “البنيان المرصوص”، التي أطلقتها حكومة الوفاق الوطني الليبية في مايو الماضي لاستعادة السيطرة على مدينة سرت من داعش، ما تردد حول تمكن عناصر التنظيم من الفرار من المدينة بعد “إلحاق الهزيمة به”.

وقال محمد الغصري، إن “مقاتلي التنظيم محاصرون منذ نهاية مايو الماضي من كل المحاور برا وبحرا وجوا، ولم يتمكنوا من اختراق حصارنا”، لافتا إلى أن التنظيم نفذ عددا كبيرا من العمليات الانتحارية بهدف فتح ممرات لهرب مقاتليه، لكن محاولته باءت بالفشل.

وأضاف أنه من الممكن أن يكون قادة للتنظيم ومقاتلون فروا خلال تقدم قوات “البنيان المرصوص” باتجاه سرت بداية مايو، ولكن ليس بعد هذا التاريخ.

وانطلقت عملية “البنيان المرصوص” في مايو الماضي؛ بهدف إنهاء سيطرة تنظيم داعش على سرت، عبر 3 محاور هي (أجدابيا–سرت)، و(الجفرة–سرت)، و(مصراتة–سرت)، وتكبد الطرفان خسائر فادحة في الآليات والأفراد.

وقد كشف مصدر طبي بمستشفى مصراتة المركزي الليبي التابع لقوات عملية “البنيان المرصوص”، السبت، أن عدد القتلى والجرحى من مقاتلي العملية منذ انطلاقها في شهر مايو ضد تنظيم داعش وصل إلى أكثر من 2500 بين قتيل وجريح منهم 442 قتيلا و2100 جريح حتى الآن، حيث لازالت سيارات الإسعاف تأتي بالجرحى من محاور القتال في سرت.

وأضاف المصدر، في تصريحات لموقع “بوابة الوسط” أن البعض من الجرحى إصاباتهم حرجة جدًّا، وموجودون في قسم العناية المركزة، وأن أغلب الجرحى إصاباتهم في الأطراف، بينما البعض الآخر إصاباتهم متفاوتة بين البسيطة والمتوسطة.

وأشار المصدر الطبي إلى أن 34 جريحا تم نقلهم الجمعة إلى تونس للعلاج، كما تم نقل 20 جريحا إلى تركيا، وإن عددا من الحالات المستعصية سيتم نقلها إلى ألمانيا خلال اليومين القادمين بعد إتمام إجراءات التأشيرة.

ورغم الخسائر البشرية، حققت قوات “البنيان المرصوص” خلال الأيام الأخيرة تقدما كبيرا على مختلف محاور القتال في مدينة سرت، منذ انطلاق العمليات العسكرية لاستعادة المدينة التي يسيطر عليها التنظيم منذ يونيو 2015.

وقال ‏المركز الإعلامي لعملية “البنيان المرصوص”‏ إن سرايا تابعة للعملية تقوم بدوريات عسكرية لتأمين الوديان والمناطق الصحراوية جنوب غربي سرت، تفاديا لهروب عناصر التنظيم نحو الجنوب حيث توجد أهم حقول النفط ومنها حقل “الشرارة”.

وقبل أيام، أعلن مدير حقل “الشرارة” النفطي في ليبيا، حسن الصِّديق، أن الحقل جاهز للتشغيل في غضون أسابيع لإنتاج معدله الطبيعي البالغ 340 ألف برميل يومياً، بعد مرور عامين على إغلاقه.

ويقع حقل “الشرارة” النفطي في صحراء مرزوق (جنوب غربي ليبيا)، واكتشف عام 1980، وتشغله وتملكه شركة رپسول الأسبانية، ويصل إنتاجه إلى 340 ألف برميل يومياً.

وانخفض إنتاج ليبيا التي تحوز أكبر احتياطيات نفطية في أفريقيا إلى 207 آلاف برميل يومياً من النفط الخام مؤخرا، من ذروته البالغة 1.6 مليون برميل يومياً قبل أن تدخل البلاد في حرب أهلية عام 2011.

ووفق تقرير منظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك)، بلغ إنتاج ليبيا اليومي في يوليو الماضي 304 آلاف برميل يومياً، مقارنة مع 325 ألف برميل يومياً في الشهر السابق عليه (ليبيا عضو في أوبك).

ويبلغ الاحتياطي النفطي في ليبيا 39 مليار برميل، ويكتسب خام نفطها أهمية في السوق العالمية لجودته، ويحتوي على نسب منخفضة من الكبريت، وهو ما يسهل عملية التنقية.

ويلاحظ تركيز تنظيم الدولة الإسلاميةعلى المناطق النفطية في ليبيا، كما هو الحال في سوريا والعراق قبل انحساره في كلا البلدين.

وكان التنظيم المتطرف قد سيطر في مارس 2015 على حقلي المبروك والباهي جنوب شرق سرت وتناقلت وسائل إعلام عالمية صور ذبحه للبعض من العاملين الأجانب في الحقلين، كما سيطر داعش على أقدم الحقول النفطية في البلاد وهو حقل الظهرة الواقع جنوب غرب سرت.

إغراءات الجنوب لا تقف عند مخزونه النفطي بالنسبة لداعش بل تتعداها إلى إمكانية التواصل بشكل أفضل مع الجماعات الجهادية وبخاصة جماعة بوكو حرام التي كانت قد بايعته قبل أشهر.

وفي تصريح لقناة “غوكس نيوز″، الأسبوع الماضي قالت الكاتبة الأميركية المختصة في الجماعات الجهادية إميلي استيل، إن خطر تنظيم داعش مازال داهما وموجودا ومن الخطأ الاعتقاد أن القضاء على التنظيم في سرت سيضع حدا لتهديده في الشمال الأفريقي.

وأوضحت استيل أن “سرت ليست بهذه الأهمية للتنظيم، فهي مدينة صغيرة يمكن للتنظيم أن يتخلى عنها دون ندم، وأن هناك مصادر تفيد بأن التنظيم كان يستعد منذ شهر أبريل الماضي للانسحاب منها، وقد حضّر ملاذا آمنا جديدا جنوب غربي ليبيا”.

وحذرت الكاتبة الأميركية من أن “التنظيم يسعى إلى أن يؤسس لنفسه قاعدة أخرى في الصحراء الليبية، تتقاطع فيها طرق التهريب والتجارة غير المشروعة الرابطة بين جميع أنحاء القارة الأفريقية، ولجنوب غرب ليبيا أهمية استراتيجية أكبر بسبب هذا الأمر، فقد يستفيد التنظيم من هذه الطرقات ويمكنه أن يندمج في شبكات المتشددين في جميع أنحاء غرب أفريقيا”.

alarab