لقاءات تونس .. تقاسم الأدوار والغنائم وسط طبول الحرب المرتقبة

محمد الامين
ايوان ليبيا

استضافت الجارة تونس لقاءاً يتطرق إلى مسائل “تهم الأسرة الفبرايرية المصغّرة”، حضرتها الأذرع الأيديولوجية والعسكرية والمالية (الصلابي، مصراته، ادبيّبة).. العنوان كان “المصالحة” التي علينا أن نستعد هذه الأيام كي نسمع باسمها كل ما نريد وما لا نريد.. المصالحة مفردة/موضة مطلع العام السادس منذ سقوط العاصمة، يتلفّظ بها الصادق والكاذب، والأمين والخائن، والمجرم والبريء.. والشروع في استهلاكها على هذا النحو المفرط يأتي بعد استنزاف منتجات سابقة شهدتها سوق السياسة الليبية المفتوحة لكلّ من هبّ ودبّ، منتجات “الثورة المباركة”، “الثوار الحقيقيين”، “رفض التدخل الأجنبي”، “استرداد الأموال المنهوبة”، “الحوار بين الأطياف/المقصود بها أطياف فبراير بالطبع”، “إشراك من لم تتلوث أيديهم بدماء الليبيين(من هُم بالضبط؟؟ فنحن لم نَرَى على المسرح غير المتورطين في القتل والذبح والتخابُر والبيع والشراء..)”!! وغير ذلك من العبارات الرنّانة..

لقاء تونس التصالُحي، ذو النكهة التآمرية الكيديّة، استبعد باقي أبناء ليبيا بشكل متعمد لأسباب أكثر من خطيرة.. بعد أن لفظتهم “المباركة” منذ أعوام وشهور.. وعزلتهم ايّما عزل..

لقاء تونس أول يوم أمس، “التصالحي” ضمّ بالإضافة إلى بعض “الأطراف الديكورية”، الأطراف الحقيقية المنتصرة في الحرب الليبية.. أعني تيار الصلابي وجهة مصراته ورجال الأعمال المتنفذين الذين موّلوا النكبة الليبية بأموال موجهة أساسا لإعادة بناء ليبيا قبل الأزمة.. أموال استثمرها ادبيّبة وأنتج منها بــ”عبقريته الفذّةّ” أضعافا وأضعافا.. استثمرها في التخريب وقبض الثمن.. ثم استثمرها في شراء العقارات في برّ الانجليز.. وقبض ريْعَها أضعافا مضاعفة.. وهاهو اليوم على أبواب عملية جديدة أكثر ربحيّة وأوفر ريعاً.. الاستثمار في الحرب الدائرة بسرت.. وتقديم عروضه تمويل الحرب الجديدة المرتبقة على مدن الغرب “المتمردة”.. الاجتماع إذن مصغّر إلى الحدّ الأدنى الممكن لأنه تسخيني وتحضيري لحرب إلغاء جديدة ضد مكونات أخرى تعرف نفسها جيدا.. وتغرق في وهم النجاة من الاستهداف..

طبعا لا علاقة بمصالحة مصراته والصلابي وادبيّبة بمعاناة شعب المنكوبين الجياع في البلد النفطي الثري.. المشردين ببلدهم والذين قدّرتهم الأمم المتحدة بأكثر من مليونين ونصف ليبي!! أليس هذا العارُ بعينه؟!!

بعد مضي خمسة أعوام على ذكرى الموباركة والمجيدة ، ما يزال الليبيون في حالة إنكار وذهول..يسير بهم اللصوص والمتآمرون ن حرب إلى حرب.. ومن نزاع إلى نزاع.. يرون الجثث والبنادق..والطوابير الطويلة أمام المخابز.. والمزدحمين على بوابات المصارف منذ آذان الفجر يتحدّون رصاص الحُراّس!! لكن لا أحد منهم يسأل نفسه عمّا فعل لمنع حدوث كل ذلك؟؟ أو ماذا يمكنه أن يفعل اليوم لمنع مزيد التدهور؟؟ لماذا يسلّم الليبيون رقابهم بهذه الطريقة؟ لماذا هذا الانقياد العجيب.. يقول كثيرون أن سبب عدم تعاطف العالم مع الليبيين هو الكيفية العجيبة التي تركوا بها بلدهم يسقط ويتردى حتى بلغ الحضيض في كل شيء.. ترى العالم يتعاطف مع السوريين ومع اليمنيين.. ومع كافة الأجناس، لكنه يتصرف ببرود مع أحوال الليبيين والعراقيين بشكل خاص، وإزاء مأساتهم رغم اشتراكه وتورطه بها.. يقولون أنهم كانوا ينتظرون من الشعبين أن يدافعا عن مكاسبهما، لكنهما تقاعسا وصفّقا للتدخل الأجنبي، وابتهجوا لطيران الأجنبي يستبيح أجواءهم وعملاءه يعربدون في شوارعهم.. وبل وخرج منهم منافقون أيدوه وتعاونوا معه واشتغلوا تحت إمرته..”لا علينا”..
هل تساءل الليبيون عن ثمن الحرب على داعش؟ ما حجم فاتورتها الإستراتيجية والمالية؟ ما هو تأثيرها على المحاصصات وتقاسم النفوذ في قادم المحطات؟ ثم من الذي سيدفع الفاتورة؟

أما فاتورة الدمار، فقد تكفلت شوارع ومباني ومرافق وبيوت سرت وسكانها بدفعها بأكملها.. لكن فاتورة الذخيرة والصواريخ التي تتناثر في الرمال وفوق البيوت والأشجار بالعشرات قبل أن تصيب بضعة مقاتلين من الصف الداعشي الثاني أو الثالث بعد “إخلاء” القيادات نحو مدن أخرى (مسلاته، الخمس، زليتن).. فسوف يدفعها هؤلاء الصامتون المتعلّلون بحرّ الصيف وقرّ الشتاء من شحنات النفط التي “افرج عنها الجضران” لغرض تمويل الحرب..
تسرّب الدواعش هذا سيكون مطية لتدمير سائر مدن ليبيا المجاورة لمصراته بالخصوص.. كي يصبح جميع سكانها رهينة لعمليات مليشيات مصراته.. توقعوا حربا ضد “الدواعش” المهاجرين من سرت في زليتن، ومسلاته، والخمس.. وقد يكتشفون أنهم قد اجتمعوا ببني وليد مرة أخرى..
أعود إلى اليمن الذي خرج أبناؤه بالملايين يوم أمس وتحدّوا العدوان اليومي السعودي، والصلف الحوثي والنفوذ الإيراني، والتنكيل الميليشوي متعدد الأطراف.. خرجوا بالملايين ليعلنوا رفضهم للجميع.. وتمسكهم ببلدهم.. رفضوا الحكومة العميلة، والحكومة الانقلابية، و”الثوار المتسلطين”، والجار الظالم المتطاوس بطائراته وقنابله..

خروج اليمنيون من تحت الركام عبرة للمتخاذلين.. أما سواهم من الشعوب المتقاعسة، فهي تستحق أن تعبث بها نخب أنصاف المتعلمين وأشباه علماء الدين ومزدوجي الولاءات والجنسيات.. ومن يسلم أمره للعابثين واللصوص لا يستحق حتى موطأ قدم له ببيته وليس بوطنه فحسب.. والله المستعان