جدوى التدخل الغربي أمام تواصل الانقسام الليبي

شريف الزيتوني

منذ رحيل العقيد، معمر القذافي، في العام 2011، كان أغلب المراقبين والمهتمين بالشأن الليبي يرجحون أن تتمركز بعض القوات الغربية على الأرض الليبية وخاصة في الأماكن الحيوية النفطية وقرب الحدود حماية للبلاد من أي اختراق قد يأتي خاصة من الحدود الغربية مع تونس أو الشرقية مع مصر التي كانت في تلك الفترة تعاني من عدم استقرار أمني، لكن بمجرد مقتل العقيد القذافي ونهاية حكمه فتحت البلاد أمام مليشيات إسلامية منفلتة لا تخضع لسيطرة الدولة وأصبحت جزءا من العملية السياسية مما جعلها عملية مشوهة لا تحكمها إلا لغة السلاح.

وخلال الفترة التي أعقبت رحيل القذافي والقضاء على مؤيديه قتلا أو سجنا أو تهجيرا كانت ليبيا مسرحا لمواجهات دامية بين تلك المليشيات التي كانت تتصارع إما على مكان في السلطة أو على مغانم فيما يمكن أن يُغنم من مال أو نفط، الأمر الذي أدى إلى مقتل المئات منهم وتدمير مؤسسات الدولة. وحتى الانتخابات والمخاض السياسي اللذين عرفتهما البلاد لم يؤديا إلى نتيجة لا في ما هو أمني ولا في ما هو اقتصادي وبقيت الصراعات المسلحة هي المهيمنة على المشهد.

وفي كل ذلك المخاض العسير الذي عاشته ليبيا، كان العديد من المسؤولين الغربيين يصرحون بأن دولهم قد تضطر للتدخل العسكري جويا أو بريا لإعادة الوضع على الأرض إلى توازنه، لكنها بقيت تصريحات إعلامية أكثر منها “إنجازات” في الواقع.

وما زاد الأوضاع تعقيدا في البلاد هو ظهور تنظيم داعش الذي يريد فرض مشروعه بقوة السلاح ويتمركز في بعض المناطق الحيوية ويسيطر على مدينة سرت منذ سنتين ويسعى إلى التمدد في مدن حيوية أخرى رغم المجهودات التي بذلت من قبل الجيش الليبي بقيادة الفريق خليفة حفتر.

القرار الغربي بالتدخل العسكري اتخذ بعد تردد كبير وتأكد عبر غارات قامت بها طائرات أمريكية دون طيار على مواقع للتنظيم الإرهابي في سرت بداية هذا الشهر، وهي خطوة قد تعقبها خطوات مماثلة في الأيام القادمة للتضييق أكثر على تحركات داعش ومساعدة القوات الحكومية التابعة لحكومة السراج على التقدم على الأرض وهو ما أكده الناطق باسم العملية العسكرية رضا عيسى حين صرح بأن “قواتنا تواصل التقدم وتسعى إلى تعزيز هذا التقدم في ظل الضربات الأمريكية التي أعطت زخما للعملية العسكرية”.

التدخل الأمريكي رغم أنه لاقى القبول من طرف حكومة السراج التي أعلنت أن “التدخل جاء بطلب منها” لمساعدة القوات التابعة لها على دحر التنظيم من سرت معتبرة أن المجلس الرئاسي هو الذي يحدد متى تتوقف هذه الغارات، إلا أن التدخل جوبه برفض من مكونات عديدة في ليبيا، حيث رفضه مجلس النواب معتبرا أن ما أقدمت عليه حكومة السراج خرقا دستوريا باعتبار أنها غير مصادق عليها من طرفه وحكومة الوفاق تعتبر غير شرعية ما لم تستشر في ذلك رئيس المجلس ولا قائد الجيش.

جبهة الرفض كانت أيضا من مجلس القبائل الذي أصدر بيانا يندد فيه بالغارات الأمريكية معتبرا إياها خرقا واضحا لسيادة البلاد متهما حكومة السراج بالمشاركة في هذا الانتهاك. كما أكدت لجنة الشؤون العربية في البرلمان الليبي رفضها للتدخل الجوي الأمريكي داعية إلى مواصلة التنسيق مع الجانب المصري في مواجهة الإرهاب دون الحاجة إلى تدخل أمريكي اتخذ دون اللجوء حتى إلى الأمم المتحدة والمجتمع الدولي.

الاختلاف المتواصل في وجهات النظر بين مكونات المشهد السياسي والعسكري في ليبيا يؤكد أن لا أفق لحل الأزمة السياسية في ظل تمسك كل الأطراف بمواقفها وعدم توحيد السلاح في مواجهة المليشيات الإسلامية التي أرهقت البلاد لأكثر من خمس سنوات، خاصة أن حكومة السراج ورغم الرضى الدولي والإقليمي عليها فإنها داخليا مازالت تبحث عن شرعية سواء من قبل خصومها السياسيين وحتى شعبيا على اعتبار أنها ليست حكومة انتخابات وهذا ما يعني أن المساعدات العسكرية سواء دعما ماديا أو تدخلا مباشر تبقى قاصرة أمام مشهد سياسي وعسكري منقسم على نفسه.

الغارات الأمريكية والتقدم الواضح لقوات البنيان المرصوص في سرت آخره في مجمع واغادوغو ومستشفى المدينة وانحسار تحرك تنظيم داعش فيها قد يغيّران من الواقع على الأرض نعم، لكن هل هذا كاف لتغيير المشهد السياسي الذي بقي مضطربا وأثر بشكل كبير على الوضع الأمني غير المستقر بطبعه خاصة وأن برلمان طبرق مازال مصرا أن لا شرعية للسراج دون موافقته معتبرا أن العملية العسكرية التي تقوم بها “البنيان المرصوص” هي سرقة لمجهودات الجيش الليبي الذي يتقدّم على أكثر من واجهة في المنطقة الشرقية ويكبد المليشيات المسلحة خسائر كبيرة.