ماذا بعد طرد تنظيم داعش من سرت الليبية

مع اقتراب قوات عملية البنيان المرصوص الموالية للمجلس الرئاسي لحكومة الوفاق من تحرير مدينة سرت من قبضة تنظيم داعش ارتفعت حدة المخاوف من إمكانية تنفيذ هذه القوات، المشكلة من ميليشيات إسلامية ينحدر أغلبها من مدينة مصراتة، لعمليات تشف بحق سكان سرت الذين تتهمهم هذه القوات بالتحالف مع تنظيم داعش.

يراقب متتبعون بشيء من التوجس ما ستؤول إليه الأوضاع في مدينة سرت بعد تحريرها من قبضة تنظيم داعش. وازدادت حدة هذه المخاوف بعد نشر رواد صفحات التواصل الاجتماعي صورة لعبارة كتبتها قوات البنيان المرصوص فور دخولها مقر قاعات واغادوغو التي سيطروا عليها، حملت تهديدا و وعيدا للسكان الأصليين لمدينة سرت.

وحملت العبارة التي تقول “ويلكم يا بدو سرت” مخاوف من أن يجر الحقد الجهوي ميليشيات البنيان المرصوص للتشفي من خصومهم سكان مدينة سرت معقل العقيد الراحل معمر القذافي.

وبعد سقوط نظام القذافي تعرض سكان مدينة سرت لتصفية تحت مبرر تطهير المدينة من الأزلام حيث تم القبض على رجالها والسطو على أموالهم وممتلكاتهم وحلي نسائهم التي كان الثوار حينها يعتبرونها غنائم حرب. وظلت المدينة تحت حكم الميليشيات الإسلامية إلى أن سقطت بقبضة تنظيم داعش يونيو الماضي.

ورغم ما أبداه سكان مدينة سرت من مقاومة للتنظيم الإرهابي كان أبرزها الانتفاضة المسلحة التي نفذها مواطنون مسلحون ضد التنظيم بعد اغتياله لأحد شيوخ السلفية في المدينة في أغسطس من العام الماضي، إلا أن التيار الإسلامي لا يتوقف عن اتهام كل سكان المدينة بالولاء للتنظيم.

و شهدت مدينة سرت حينها، وتحديدا الحي رقم 3، اشتباكات استمرت لأيام وصفت بالعنيفة بين بعض أهالي المدينة من قبليتي “الفرجان” و”القذاذفة” مدعومين بعناصر من التيار السلفي المعروف بـ”المدخلي” وتنظيم الدولة الإسلامية الذي كان يسيطر على المدينة بشكل كامل إثر انسحاب مفاجئ للكتيبة 166 المكلفة من رئاسة أركان المؤتمر الوطني العام بحمايتها وتأمينها من مشروع النهر الصناعي وقاعدة القرضابية الجوية، ودخول عناصر التنظيم لها مباشرة في نهاية يونيو من العام الماضي.

وقالت مصادر إعلام محلية حينها إن عدد القتلى من المدنيين في الحي الثالث تجاوز المئة قتيل والعشرات من الجرحى، إضافة إلى حرق منازل المواطنين، وإضرام النار في المستشفى الميداني بمن فيه من الجرحى، كما قام التنظيم بعد ذلك بحملة إعدامات جماعية للأسرى الذين قبض عليهم خلال هذه الاشتباكات، نفذها بشكل متلاحق خلال يوم الجمعة من كل أسبوع.

لكن هذا لا ينفي وجود بعض السكان الذين أعلنوا ولاءهم للتنظيم وكانت تقارير اخبارية محلية ودولية قد تحدثت عن أسباب التحاق هؤلاء بداعش، مرجعة الأمر إلى ما تعرض له سكان سرت من إهانة وظلم من قبل الميليشيات الإسلامية في الفترة التي تلت سقوط النظام وحتى ظهور داعش في المدينة.

وتزداد حدة المخاوف من أن تلقى مدينة سرت نفس ما لقيته الفلوجة العراقية من انتهاك وتشف عقب تحريرها من قبل ميليشيات الحشد الشعبي. ورغم أن نقاط التشابه بين الفلوجة وسرت كثيرة إلا أن النقطة الأهم والأبرز تتمثل في أن من قام بتحريرها ميليشيات لا تمتلك أخلاقا عسكرية وولاؤها ليس للوطن بقدر ماهو لفكر أو مدينة أو قبيلة ما.

وكان مراقبون قد حذروا من خوض ميليشيات مصراتة الموالية للمجلس الرئاسي لهذه المعركة، مؤكدين أن عملية تخليص المدينة من تنظيم داعش لا يمكن أن تكون إلا تحت مشروع وطني تنفذه قوى نظامية تمتلك أخلاقا عسكرية، وتدافع عن وحدة الشعب، وتخضع للقانون والمحاسبة.

وتتكون قوات “عملية البنيان المرصوص” من ميليشيات إسلامية تنحدر من مدينة مصراتة التي تحولت إلى مدينة معادية للمدن المهزومة بعد أحداث الإطاحة بنظام القذافي، لعل أبرز هذه المدن ترهونة وبني وليد وسرت وهي مدن بقيت مؤيدة للقذافي حتى سقوطه ولم تنضم إلى ثورة 17 فبراير.

وقطعت قوات البنيان المرصوص الموالية لحكومة الوفاق المدعومة دوليا، الطريق على قوات الجيش الليبي بقيادة الفريق أول ركن خليفة حفتر الذي كان يجهز لتحريرها بعد أن بدأ في تحشيد قواته بمنطقتي زلة ومرادة قبل أن تسبقه قوات مصراتة التي باتت تحظى بدعم دولي بعد أن أعلنت ولاءها لحكومة الوفاق.

وينتقد متتبعون أداء المجلس الرئاسي إزاء الحرب على تنظيم داعش في مدينة سرت. ويرى كثيرون أن المجلس الرئاسي منساق للقوات التي تقاتل التنظيم وليست لديه أي قدرة على التحكم في تحركاتها. كما أن هذه القوات تدين بالولاء لقادتها في مدينة مصراتة وليس للمجلس الرئاسي المنبثق عن اتفاقية الصخيرات.

ويتخوف مراقبون من أن تلقى مدينة سرت نفس المصير الذي لاقته درنة بعد تحريرها من تنظيم داعش، حيث سيطرت عليها قوات ما يعرف بمجلس شورى مجاهدي درنة، وهو فصيل مسلح يتبنى فكر القاعدة. وكان مندوب ليبيا لدى الأمم المتحدة، إبراهيم الدباشي، أول من حذر من هذا السيناريو خلال جلسة لمجلس الأمن يونيو الماضي.

وقال الدباشي حينها “من المتوقع أن يتم تحرير سرت وإنهاء وجود تنظيم داعش في سرت خلال الأسبوعين القادمين، ومع ذلك لم نسمع عن أي خطة خاصة بالمدينة لما بعد التحرير، بدءا من تيسير عودة المهجرين، الى تفعيل السلطات المحلية والأجهزة الأمنية، ومغادرة المجموعات المسلحة للمدينة، وهي ضرورية حتى لا نفاجأ بخروج داعش وسيطرة القاعدة على المدينة كما حدث مع بعض المدن الأخرى”.

alarab