كيف سيؤثر تحرير سرت على موازين القوى في ليبيا؟

سيطرت قوات عملية “البنيان المرصوص” التابعة لحكومة الوفاق الوطني في ليبيا على مقر الإذاعة المحلية في مدينة سرت الذي كان يخضع لسيطرة داعش منذ فبراير/شباط من العام الماضي.

وجاء في بيان صادر عن المكتب الإعلامي لعملية البنيان المرصوص أن وحدة من الجيش نفذت عملية نوعية مكنت من استعادة مبنى الإذاعة الذي كان تنظيم داعش قد حوله إلى مركز إعلامي للدعاية له.

سيد المختار

تحرير سرت

وتسارعت الأحداث في مدينة سرت خلال الأيام الماضية لصالح تحرير المدينة من قبضة تنظيم داعش بدعم عسكري غربي، حيث صرح العميد محمد الغصري المتحدث باسم قوات “البنيان المرصوص” أن قواته تقوم بإعادة ترتيب صفوفها استعدادا لخوض المعركة الأخيرة ضد داعش في سرت، لكنه لم يحدد موعدا لتلك المعركة.

وتشهد سرت مواجهات متقطعة بين قوات الجيش وعناصر من داعش تتحصن داخل بعض المباني في ثلاثة أحياء بوسط المدينة، فيما تقوم وحدات من الجيش بتمشيط الأحياء التي تم انتزاعها من قبضة التنظيم خلال الأيام القليلة الماضية.

وحققت قوات “البنيان المرصوص” تقدما كبيرا باستعادة مناطق هامة في مركز المدينة، بينها مجمع قاعات واغادوغو ومستشفى ابن سيناء والحي الجامعي وعدد من المصارف.

وتؤكد غرفة عمليات تحرير مدينة سرت أنها كبدت تنظيم داعش خسائر فادحة في الأرواح والعتاد بعد محاصرته في مساحة ضيقة واستهدافه بالقصف الجوي والمدفعي.

وبات استكمال تحرير مدينة سرت مسألة وقت لا أكثر؛ إذ تتقدم قوات ليبية مدعومة بغطاء جوي أمريكي للسيطرة على الأحياء “1” “2” “3” ببطء نسبي بسبب الألغام والفخاخ التي زرعها مقاتلو داعش في طريق قوات “البنيان المرصوص”.

نهاية داعش؟

وتوصف مدينة سرت بأنها آخر وأهم معقل لتنظيم داعش الإرهابي في ليبيا، لذا فإن إعادة السيطرة عليها تعني نهاية داعش من الناحية النظرية على الأقل.

لكن عددا من الليبيين يتساءلون عن مصير آلاف المقاتلين الذين كانوا يسيطرون على المدينة في ظل عدم توفر إحصاءات حول عدد القتلى في صفوف التنظيم، ويقول عضو المكتب الإعلامي لعملية البنيان المرصوص أحمد هدية إنه بالرغم من اكتشاف عدد كبير من الجثث التابعة لمقاتلي التنظيم داخل مستشفى ابن سيناء، إلا أنه ليست هناك مصادر موثوقة يمكن الاعتماد عليها لمعرفة عدد مقاتلي داعش في سرت لمقارنتهم بأعداد القتلى.

ويعتقد بعض المراقبين للوضع في ليبيا أن الوقت مازال مبكرا للحديث عن هزيمة تامة لداعش في هذا البلد؛ على اعتبار أن مصير مئات المقاتلين الذين تم طردهم من سرت مازال مجهولا، ما يفتح المجال أمام احتمال ظهور التنظيم في مناطق أخرى وتكرار سيناريو مدن الشرق التي تم طرد مقاتلي التنظيم منها ليعيدوا رص صفوفهم والسيطرة على مدن بديلة.

ويبدي المسؤولون الليبيون في حكومة الوفاق الوطني تحفظهم إزاء تأكيد نهاية داعش في ليبيا بمجرد تحرير مدينة سرت؛ حيث يؤكد محمد الغصري المتحدث باسم قوات البنيان المرصوص أن نهاية داعش في سرت لا تعني نهاية التنظيم في كامل ليبيا وإنما تعني أنه لن يكون للتنظيم مستقبل في هذه المدينة.

وأبدى مسؤولون غربيون قلقهم الشديد من احتمال أن يلجأ التنظيم المتطرف إلى نقل المعركة نحو الجوار الليبي من خلال تسلل المقاتلين الهاربين من سرت إلى الدول المحيطة بليبيا، ولا سيما تونس والجزائر، اللتان ما فتئتا تعلنان إحباط محاولات لتسلل مقاتلين وتهريب للسلاح إلى أراضيهما.

قيمة الانتصار

وتحظى مدينة سرت بأهمية استراتيجية كبيرة بحكم موقعها الجغرافي على خريطة ليبيا، فهي تعتبر حلقة الوصل بين شرق ليبيا وغربها وتقع بمحاذاة ما يعرف بالهلال النفطي، وتشكل السيطرة عليها نجاحا مهما في معركة محاربة داعش.

ويطالب بعض الليبيين بضرورة الاستفادة من موقعها الفريد في النهوض باقتصاد البلاد، ويرى الكاتب الصحفي الليبي محمد بعيو أن سرت تتمتع بوضع فريد وتمتلك بنية تحتية هائلة أنشأها القذافي في مسقط رأسه ويجب على حكومة الوفاق تحويلها إلى نموذج اقتصادي في قلب ليبيا. ويؤكد أحمد هدية عضو المكتب الإعلامي لغرفة عمليات البنيان المرصوص أن المسؤولين في المجلس الرئاسي وغرفة عمليات مصراتة يعملون على بلورة استراتيجية للوضع في سرت بعد تحريرها من تنظيم داعش.

أما خارج مدينة سرت فإن الأمور ما تزال على قدر كبير من الغموض والتضارب بين الحديث عن أن قوات حكومة الوفاق ستواصل المشوار باتجاه مدن الشرق لاستعادتها، والمعطيات التي تقول إن السيطرة على سرت وحده كان كافيا لظهور ملامح التحول في المواقف داخل ليبيا وخارجها باتجاه المزيد من دعم حكومة الوفاق.

ويستبعد أحمد هدية الفرضية الأولى حول نية قوات البنيان المرصوص الزحف شرقا للاصطدام بجيش الكرامة الذي يقوده الفريق المتقاعد خليفة حفتر، ويؤكد أن الأمر لا يعدوا أن يكون شائعات يطلقها البعض للتشويش على عمليات محاربة الإرهاب مثل تلك التي تجري في سرت. لكن التحرش الذي قامت به مؤخرا قوات تابعة لجيش الكرامة ضد حرس المنشآت النفطية لا يغلق المجال نهائيا أمام مواجهة لا يُعلم حجمها إذا حاول الجيش في الشرق السيطرة على حقول النفط التي تشرف حكومة الوفاق على تشغيلها بالتنسيق مع جهاز حرس المنشآت النفطية.

وفي محيط ليبيا بدى أن بعض القوى الإقليمية شرعت في مراجعة موقفها من الوضع بعد دخول الجيش الأمريكي على خط المواجهة في سرت، هذا مثلا هو ما قامت به مصر التي بدأ موقفها الداعم للفريق خليفة حفتر بالتزحزح قليلا.

ووصل حفتر إلى القاهرة قبل يومين في رابع زيارة له إلى مصر خلال أقل من شهرين بعد تزايد الحديث عن إعادة تقييم مصر لموقفها من الرجل وسعيها لوضع جميع الأطراف على قدم المساواة. وهي المعلومات التي يتحفظ عليها مسؤولون بالخارجية المصرية.

الأكيد أن تحرير مدينة سرت سيكون صفعة قوية لمشروع داعش في غرب إفريقيا؛ وهو حدث سيربك أيضا حسابات الفريق المتقاعد خليفة حفتر؛ الخصم القوي لحكومة الوفاق الوطني الذي باتت الثقة فيه مهزوزة لدى حلفائه بعدما فضل حتى الآن القضاء على التنظيمات المسلحة في الشرق ولم يستطع الوفاء بوعوده السابقة بتحرير مدينة سرت.