السراج وحكومته طلائع احتلال؟

بقلم / محمد الامين

دَعْ عنك كل الأراجيف والشعارات ذات الصّلة بما يسمّى بالحرب على الإرهاب.. دَعْ عنك أمر الحرب على داعش وأخواتها.. فذاك أمرٌ يهمّ الليبيين وحدهم.. وكان وما يزال أمرا ليبيا ليبيا.. وكل تدخّل خفيّ أو مشبوه أو مدفوع فيه ليس غير صفقات وعمليات بيع وشراء وسمسرة مقنّعة لا تعني الليبيين في شيء.. هذا ما قُلتُه دوما.. وهذا ما قاله كل الوطنيين والعارفين من ليبيين وغير ليبيين..

تأبى الوقائع إلا أن تصدق ما قاله كثيرون.. وتأبى ملابسات حرب فبراير على الليبيين إلا تؤكد نبوءات قديمة جديدة بأن ليبيا على مشارف احتلال جديد.. لم يكن الهدف تدميرا ولا تخريبا ولا تمزيقا ولا تشتيتا، فهذه المسميات ليست سوى مراحل ومحطات وأهداف جزئية مقارنة بالهدف الرئيسي..

منذ أسابيع أنكر السراج ثم أدان وجود قوات أجنبية على ارض ليبيا.. ثم نفى العلم بوجودها دون تأكيد عدمه.. وقد أجابته الأحداث وكذبت تصريحاته..

ثم عاد رئيس ” حكومة الوفاق” إلى التصريح بأنه لا يحتاج قوات برية أجنبية في ليبيا.. لكن هذه القوات التي أطلّت برؤوسها تباعاً منذ مدة زمنية قصيرة في مختلف أنحاء البلد كذّبته بشكل فجّ ورادع..
الأمريكيون يعترفون بأن لهم قوات على الأرض.. والفرنسيون يموت جنودهم فيضطرون إلى إعلان ذلك.. والبريطانيون يمجّدُون إنجازات قواتهم .. والطليان لا ينكرون.. وكل من هؤلاء يشرح مسوّغات وجود جنوده وضرورته حتى أنَّـك لتتأكد أن هؤلاء هم من يحددّون مدى الحاجة إلى التواجد البري وليس السراج ولا غيره..

ليس لكلام العملاء ولا لتصريحاتهم ولا لاحتجاجاتهم أو لومهم أو عتابهم من قيمة إلا بما يجعلها مادة توثيقيّة تخدم المؤرخين والوطنيين وتكشف للأجيال المقبلة عمق المأساة التي سِــــــــــــــــــيقَ إليها الوطن، وجُــــرّ إليها الشعب الذّبيح على أيدي طلائع الاحتلال الجديد..

ما أقدمت عليه واشنطن منذ أيّام يُظهر أن الإدارة الأمريكية المنصرفة تقود سباقا ضد الساعة في ضوء المصير شبه المحتوم لنتائج انتخابات الرئاسة الأمريكية المقبلة.. فالثقة التي تتقدم بها هيلاري كلينتون كمرشحة للحزب الديمقراطي وخليفة للرئيس الحالي باراك أوباما تضمن تواصلا واستمرارية لسياسات هيلاري التي انفردت بالملف الليبي واحتكرته بشكل كلّي منذ اندلاع الأزمة إلى يومنا هذا.. لذلك لن يكون من فرق بين التعاطي الأمريكي في عهد أوباما أو خليفته.. ولذلك ترى أن السباق يهمّ محاولة فرض أمر واقع في ليبيا.. والسعي الديمقراطي إلى “توريط” مؤسسات الدولة الأمريكية في ليبيا والذي تسارع هذه الأيام مدفوع بالمخاوف من “انتفاضة” محتملة في المؤسسة التشريعية بغُرفتَيها “مجلس النواب” و”مجلس الشيوخ”، فهذه المؤسسة الصامتة والمتجاهلة لخروقات قانونية كثيرة يرتكبها البيت الأبيض في علاقة بالملف الليبي هذه الأيام قد تكون بصدد إعداد “حفرة” قانونية أو فخّ للخصم الديمقراطي المنفرد بالقرار على نحو لا بدّ أن يفجّر نزاعا تشريعيا كبيرا بين الحزبين الكبيرين ولو بعد حين!!

لذلك يسابق البيت الأبيض ووزارة الخارجية الزمن في ليبيا.. والملف الذي كان في مرتبة ثانية بعد الملف السوري ضمن أولويات الأمريكيين قد أصبح في الصدارة الآن لأسباب تتعلق بتغيّر قواعد تقاسم المصالح بين القوى في ليبيا. وعمليا يعتبر الأمريكيون “آخر الواصلين” إلى الأرض بعد الفرنسيين والطليان والانجليز.. ويشعرون أنه قد تم استغفالهم في سورية وجرى “إلهاؤهُم” هنالك بطريقة مضحكة.. لذلك تتالت الإعلانات الأمريكية بالمشاركة جوّا وبرّا.. ولن تكون تلك نهاية المطاف، فالأمر يستحق كل التركيز ويستحق حتى مضاعفة عديد القوات وربّما “نشرها” في الخطوط المتقدمة من الجبهات بدلا اكتفائها “إلى حدّ الآن” بالخطوط الخلفية!!

ليبيا تعيش هذه الأيام عهدا جديدا هو عهد التدخل المعلن بامتياز.. والفصل الجديد من التدخل الأمريكي يكشف أن تغير اللعبة قد جعل من “التحرك الخجول” والتنافس “المكتوم” بين الأطراف يخرج من مرحلة السرية.. وصار اقتسام الغنيمة على أساس حجم التواجد العسكري وليس بمقدار التأثير أو النفوذ المعنوي أو الاستخباري..

ولن يحتاج المتابع كثيرا من الخيال أو الفطنة كي يخشى ويرتعب من احتدام نزاع المصالح المعلن اليوم حتى يبلغ المواجهة المباشرة ما دامت المواجهة بين المشاريع في ليبيا تتم بالوكالة.. وما دامت القوى الاستعمارية تقود عملاءها علناً ودون حياء في بلدنا..

إلى كل المتفائلين.. عليكم تحديث “بياناتكم”، وتعديل تحليلاتكم، وتصويب الفهم على حقائق ومعطيات العودة الأمريكية القوية للأحداث، وعلى التسابق المعلن لكسب الأراضي والتفوق في معركة الجغرافيا.. وسيتبيّن لكم حينها أن المرحلة التالية هي مرحلة الاحتلال، وأن السراج ومجلسه الرئاسي وجماعته ليسوا سوى طلائع لهذا الاحتلال الذي يستخدم الوهم السياسي وترويج شائعات استقلالية المجلس وحكومة الاحتلال، ودعاية رفض التواجد والقدرة على إدارة البلد وغير ذلك من الأكاذيب.. راقبوا نشاط السفراء في طرابلس وغيرها، وركّزوا على من يلتقون من الشخوص البائسة كل يوم أكان من الشرق أو من الغرب، فلا فرق.. وستدركون أن الليبيين ليسوا هم من سيقود تقسيم ليبيا.. بل مصالح سادتِهِم والمندوبين السامين للقوى العظمى هم من سيتولّون ذلك.. والله المستعان