الهادي بوحمرة يكشف أهم ملامح المسودة النهائية لدستور ليبيا

أكد عضو الهيئة التأسيسية لصياغة الدستور، الهادي بوحمرة، أن المسودة النهائية توافقت على أن بناء السلطة التشريعية يكون على أساس المواءمة بين الجغرافيا والسكان دون تبني النظام الفيدرالي، مشيراً إلى أن الهيئة توصلت إلى «حل وسطي» بشأن الهوية واللغة يتمثل في أن تكون اللغة العربية هي لغة الدولة، وينظم القانون استعمال اللغات الأخرى مثل الأمازيغية والتارقية والتبوية على المستويين المحلي والدولي.

عضو الهيئة التأسيسية لصياغة الدستور، الهادي بوحمرة. (أرشيفية: الإنترنت). (photo: )

وفيما استنكر بوحمرة في حوار مع «الوسط»، وصف البعض مسودة الدستور بـ«الباطلة»، أشار إلى أنها كتبت بالكامل داخل ليبيا، وأن الاجتماعات التي عقدت خارج البلاد كانت تشاورية فقط، لافتاً إلى أن الهيئة رفضت مبدأ «تقسيم ثروات»، مقابل النص على ضمانات تنمية مستدامة مكانية وإزالة الاختلالات بين المناطق.

وأضاف أن الهيئة توافقت على أن تكون مدينة طرابلس عاصمة للبلاد، وتحتضن بنغازي مقر السلطة التشريعية بمجلسيها، فيما يقام مقر المحكمة الدستورية ومجلس الحكم المحلي في مدينة سبها، بينما تم التوافق على أن يكون انتخاب الرئيس بالاقتراع الحر السري المباشر بغالبية أعداد المقترعين وتوزيع الأصوات جغرافياً.
وإلى نص الحوار:-

أطلعنا على آخر ما توصلت إليه الهيئة؟
الهيئة صوتت على مشروع الدستور يوم 19 أبريل 2016، وبانتظار طرحه لاستفتاء عام على الشعب الليبي، عقب إصدار مجلس النواب قانون الاستفتاء، وفي حال حصل المشروع على ثلثي المقترعين سيصبح دستوراً دائماً للبلاد.

في ظل حالة جمود بمجلس النواب، هل ثمة إجراء بديل لطرح المشروع للاستفتاء؟
أولاً مجلس النواب عليه التزام دستوري بضرورة الاجتماع لإصدار قانون الاستفتاء، لإكمال المسار الديمقراطي للدولة الليبية الجديدة، وأعتقد أن عدم اجتماع مجلس النواب يرجع لخلاف يتعلق بالاتفاق السياسي، أما الدستور فليس محل خلاف؛ لأنه وفق المسار الديمقراطي المحدد، وبالتالي يجب إصدار قانون الاستفتاء، وأعتقد لو تم تحديد جدول أعمال فقط لإصدار قانون الاستفتاء واستبعاد المسائل الخلافية الأخرى لتمكن المجلس من الاجتماع لإكمال المسار الديمقراطي.

هل يوجد قانون يمنع الاستفاء على المشروع في حال رفض أحد المكونات الاعتراف به؟
مقاطعة جهة معينة وعزوفها عن المشاركة لا علاقة له بالاستفتاء، فالهيئة التي فوضت لوضع مشروع الدستور عملت على وضع حلول وسطية. ويجب أن يكون الاستفتاء مفتوحًا لكل الليبيين دون استثناء، فكل ليبي بلغ الثامنة عشرة من عمره يمتلك الأهلية القانونية، والحق في الاستفتاء على الدستور دون أي تمييز، وهو ما يفرض تمكين جميع الليبيين في الداخل والخارج من إبداء الرأي في دستور البلاد، ولا يجوز في أي حال من الأحوال حرمان أي فئة من المشاركة.

أثيرت خلافات داخل الهيئة حول عدة مسائل من بينها شكل الدولة، فبماذا انتهت الهيئة؟
شكل الدولة كان محورًا أساسيًا من محاور النقاش، إذ طالب البعض بشكل واضح بالنظام الفيدرالي، والبعض الآخر طالب بالنظام الملكي، وهو أمر طبيعي لأن الهيئة جمعت أعضاءً من جميع أنحاء البلاد والتوجهات، لكن الهيئة وضعت حلاً وسطيًا هو أن يكون هناك بناء للسلطة التشريعية على أساس المواءمة بين الجغرافيا والسكان، فمجلس النواب على أساس السكان، ومجلس الشيوخ على أساس الجغرافيا دون تبني النظام الفيدرالي، وبالتالي هو استيعاب للطرح الفيدرالي دون تبنيه، ومن ثم كان تحققت موازنة بين معياري الجغرافيا والسكان في بناء السلطة التشريعية وأيضًا في انتخاب الرئيس لكن في إطار دولة واحدة بسيطة ليست اتحادية، ومن هنا استيعاب الطرح الفيدرالي داخل التصور المطروح في الدستور على أساس دولة بسيطة واحدة محددة بالمعنى القانوني.

وهل ما زالت تلك الخلافات قائمة؟
نعم هناك من لا يقبل بأي دستور إلا إذا كانت الدولة فيدرالية، والبعض الآخر يريد المركزيات، وبالتالي الحل الوسط هو الذي اجتمع عليه أغلب أعضاء الهيئة وطبعًا الإجماع مستحيل.

البعض وصف مسودة الدستور بـ«الباطلة» لكونها كتبت خارج الوطن، ما ردكم؟
أولاً المسودة كتبت داخل ليبيا إما في مدينة البيضاء وإما غدامس، وبالتالي جميع حروف المشروع كتبت داخل ليبيا، وما جرى خارج ليبيا هو مجرد اجتماعات تشاورية فقط لتقريب وجهات النظر.
ما حدث في صلالة كان الهدف منه الاجتماع بالمكونات الثقافية وكان الغرض الوحيد في هذه الاجتماعات تقريب وجهات النظر والوصول إلى اتفاق يرضي جميع الأطراف، وأعتقد أنه لا غضاضة في ذلك، لكن المشروع كتب داخل ليبيا وبأيادي وفكر ليبي والقول بغير ذلك هو فجور في الخصومة.

لماذا صلالة بالذات؟ سؤال يتداول في الشارع الليبي؟
جاءت اجتماعات صلالة بناءً على طلب المكونات وللنقاش معهم والوصول إلى حل للخلافات القائمة بإجراء جلسات تشاورية؛ لأن هناك من رفض الذهاب إلى البيضاء بعدة حجج، منها تقديرات أمنية، ذهبت الهيئة لصلالة، ولم تجر هناك أي جلسات رسمية وكل الأمور تمت بشكل رسمي بجلسة رسمية عقد بمدينة البيضاء.

بالنسبة للغة والهوية هل تم التوصل إلى اتفاق؟
بالنسبة للمكونات الثقافية التي يجب أن تشارك في انتخابات الهيئة وصناعة مشروع الدستور وفق الإعلان الدستوري هي الأمازيغ والطوارق والتبو، ولذلك كانت النقاشات عميقة جدًّا حول تلك الخلافات لإيجاد صيغة توافقية وفق المعاير الدولية بهذا الشأن والتي صدقت على أغلبها ليبيا وتعتبر جزءًا من النظام القانون الداخلي.

تم الاتفاق على «حل وسطي» يتمثل في أن تكون اللغة العربية هي لغة الدولة، وينظم القانون استعمال اللغات الأخرى مثل الأمازيغية والتارقية والتبوية على المستوى المحلي والدولي؛ حيث تعد اللغات المختلفة ملكًا للشعب الليبي بالكامل، ويجب على وضع الأسس لحمايتها وازدهارها ويضمن تعليمها، وبالتالي الهوية الليبية التي تتكون من تداخل الثقافات المختلفة؛ إذ انتهت النقاشات حول مسألة الهوية واللغة إلى حل مقبول لليبيين.

لكن لا تزال هناك اعتراضات بشأن قضية اللغة والهوية، كيف ستتعاملون معها؟
تم التوافق مع الطوارق والتبو بشكل كامل، لكن ممثلي التبو بالهيئة التأسيسية رفضوا النص المتعلق بمراجعة الجنسية، على الرغم من أن الدستور وضع الضمانات الدستورية اللازمة لمنع التمييز ومنع استعماله أي أغراض سياسية أو اجتماعية أو جهوية.

النص الوارد بالدستور والمتعلق بمراجعة الجنسيات ينص على الآتي:
«يشكل المجلس الأعلى للهيئات القضائية لجنة قضائية برئاسة مستشار؛ للنظر في حالات منح الجنسية اعتبارًا من 15 فبراير 2011، على أن تكون قراراتها قابلة للطعن، بمعنى آخر جميع الضمانات القضائية اللازمة ضد التمييز»، لكنّ ممثلي التبو رفضوا النص على الرغم من وضع الضمانات الكافية وعدم إلغاء منح الجنسية، بل مراجعتها حالة بحالة مع وجود جميع الضمانات، فيما كان هناك طلب من ممثلي التبو بالهيئة لم يكن محل توافق وهو ذكر محافظات بعينها في الدستور بمعنى مثل محافظتي قدرفي وربيانة.

لماذا الرفض؟
الهيئة لم تنتهج هذا النهج بل نهجت منهج وضع معايير لتقسيم البلاد إلى محافظات وبلديات، وقانون السلطة التشريعية يوظف تلك المعاير، وبالتالي طلبنا من الأخوة بالتبو ذكر أي معيار يناسبهم، لكنهم تمسكوا بذكر تلك المحافظات بعينها وتسميتها في الدستور، وهذا لم يكن محل توافق بين أعضاء الهيئة وممثلي التبو.

العاصمة هي إحدى نقاط الخلاف بين الأعضاء لماذا؟ وكيف عالجتم الأمر؟
نعم كانت العاصمة من المشاكل الأساسية التي تعرضت لها الهيئة؛ حيث كان هناك طرح يطالب بطرابلس عاصمة للبلاد وبها جميع المؤسسات، بالإضافة إلى طرح آخر يطالب ببنغازي عاصمة وبها جميع السلطات، وتشبث الطرفان بموقفيهما، وعلى الرغم من ذلك توصلت الهيئة إلى حل وسطي ينص على أن «طرابلس عاصمة للبلاد وبنغازي مقر السلطة التشريعية بمجلسيها النواب والشيوخ والمفوضية العليا للانتخابات، وسبها مقر المحكمة الدستورية ومجلس الحكم المحلي».

هل الخلاف ما يزال قائمًا؟
لا لكن الغالبية اجتمعوا على هذا الحل الوسطي وتمت الموافقة عليه وتبنته أغلبية أعضاء الهيئة.

ماذا عن توزيع الثروات؟
توزيع الثروات شهد جدالاً أيضًا؛ حيث طرح البعض توزع 30 % لكل إقليم قبل رفضه، وفي المقابل الاتفاق على الآتي: «أولاً إرساء ضمانات كافية للتنمية المستدامة والتنمية المكانية المتوازنة بما يعني وضع ضمانات حقيقية بالدستور للتنمية المكانية المتوازنة، وإزالة الاختلالات التنموية بين المناطق».

كما وضع نصٌ دستوري بتوزيع مؤسسات الدولة توزيعًا عادلاً بما يحقق التنمية وتوزيع فرص العمل، ثانيًا النص في الدستور على تحديد نسبة بقانون لإيجاد مشاريع بديلة للثروات النابضة في مناطق الانتاج وفقًا لقدراتها المكانية أو الاستيعابية، وتطوير بناها التحتية.

كما تستعمل هذه النسبة فيما بعد لتنمية المناطق الأقل نموًا وبالتالي لا يوجد بالدستور ما يسمى تقسيم ثروات، بل هناك ضمانات تنمية مستدامة وضمانات تنمية مكانية وضمانات تنمية متوازنة وإنشاء مشاريع بديلة في مناطق الإنتاج وفقًا لقدراتها الاستيعابية، مع وجوب تخصيص نسبة للأجيال المقبلة.

وماذا عن مشكلة انتخاب الرئيس؟
كان هناك طرح داخل الهيئة بأن انتخاب الرئيس يكون بالأغلبية المطلقة لأعداد المقترعين فقط، بالإضافة إلى طرح آخر يرفض ذلك بشكل مطلق، ويطالب بانتخاب الرئيس عن طريق مجلس الشيوخ.

لكن الهيئة توصلت إلى أن «انتخاب الرئيس بالانتخاب الحر السري المباشر بأغلبية أعداد المقترعين، على أن تكون الأصوات موزعة جغرافيًا بنسبة يحددها القانون، مثلاً يحصل في كل إقليم على 10 % من أصوات المقترعين، لكن بالمجمل يجب الحصول على 51 % من جميع أنحاء ليبيا، وفي حال لم يتمكن أي من المرشحين على هذا التوزيع الجغرافي المناسب للأصوات تجرى الجولة الثانية بين أكثر المرشحين توزيعًا جغرافيًا ويكون رئيس الدولة المرشح الذي يحصل على الأغلبية المطلقة لأصوات المقترعين».

ماذا عن مجلس الشيوخ والشريعة؟
السلطة التشريعية بنيت على التوازن بين معياري السكان والجغرافيا، فمجلس النواب يعتمد على معيار السكان، وثمة نماذج تطبيقة متعددة لذلك في التجارب الانتخابية، ومجلس الشيوخ مبني من حيث التشكيل على المعيار الجغرافي ومراعاة تمثيل المكونات والمرأة مع ملاحظة أن اختصاصه استشاري، إلا فيما يتعلق بمسائل محددة يكون له دور في إقرار وتعديل القوانين.

وفي حالة الاختلاف بين المجلسين، هناك حل دستوري عن طريق اللجنة المشتركة بينهما أو بأغلبية موصوفة بالتوالي، وهذا البناء يضع حلا بديلا للفيدرالبة ويستوعبها دون أن يتبنها، كما يضمن توزيعا جغرافيا سكانيا للسلطة ويضمن حضور مدن ليبيا في تشكيل السلطة التشريعية.

أما الشرعية فهي مصدر التشريع وبهذا يستوعب النص إمكانية الاستفادة من كافة التجارب الإنسانية وفق منهج المصالح المرسلة ومنهج الاستحسان، مع النص على عدم الإلزام بأي رأي فقهي في المسائل الاجتهادية. هذا النص يضمن مرجعية الشريعة الإسلامية ووسطيتها ويمكن الرجوع للتجارب والقوانين المقارنة في إطار ثوابت الشريعة.

الحوار نقلا عن العدد السابع والثلاثين من جريدة الوسط. (ملف بصيغة PDF).

Home