مستشفيات ليبيا تحتضر والدواء خارج نطاق الخدمة

أصبح الحصول على الرعاية الصحية الأساسية في ليبيا يمثل تحديا فعليا، فالمستشفيات تترنح والأطباء والممرضون تناقص عددهم والأدوية والإمدادات والمعدات الطبية لم تعد متوفرة كما كانت في ما مضى.

مع كفاح الحكومة الجديدة في ليبيا للحفاظ على استقرار الاقتصاد وتحييد الفصائل المتصارعة تُرك القطاع الصحي يعاني التدهور، فقد أصبح الحصول على رعاية صحية أو العثور على أدوية في البلاد رحلة شاقة وأمرا ليس هيّنا.

وفي مركز طرابلس الطبي الرئيسي تقتصر العمليات الجراحية حاليا على الحالات الطارئة فقط.

وقال محمد حنيش مدير عام مركز طرابلس الطبي “يعتبر مركز طرابلس الطبي من أكبر المراكز المرجعية على مستوى شمال أفريقيا وعلى مستوى الشرق الأوسط بسعة سريرية تبلغ 1200 سرير، وبعاملين يصل عددهم إلى 5500 أو أكثر، ويقدم خدمة إنسانية للوافدين من كافة ربوع الوطن. لكنه في الحقيقة يشهد في هذه الفترة أدنى مستوى للخدمات المقدمة للمواطن”.

وأوضح حنيش أن المركز يعمل بنحو نصف طاقته فقط، مشيرا إلى عدم استقرار الوضع الأمني ونقص التمويل وهرب الأجانب العاملين في المركز نتيجة تنامي المخاوف الأمنية باعتبارها أهم أسباب تراجع المركز عن القيام بدوره كما يجب.

وقال إن جميع الأقسام تقريبا اضطرت إلى الإغلاق. ويُضطر الناس في العادة حاليا لأن يدفعوا ثمن المواد اللازمة للعمليات الجراحية التي يحتاجونها.

وتعاني رفوف صيدلية المركز من الخواء لعدم وجود أدوية. ويشكو المرضى من أنهم لا يجدون الكثير من الأدوية رغم استعدادهم لدفع ثمنها. والوضع أشد سوءا في مستشفى طرابلس المركزي، فالمرضى والمصابون يتكدسون في منطقة الاستقبال بالمستشفى وفي أيديهم الأوراق الطبية وهم يأملون ويتمنون أن يهتم بهم أحد.

ولا يقتصر الأمر على الجانب الطبي فقط بل إن مبنى المستشفى نفسه أصبح في حالة سيئة حيث تدهور وضع الأبواب والإضاءة والأسرّة والأسقف.

وأفاد الحباس بأنه تم إغلاق غرفة الطوارئ في المستشفى لأسباب أمنية، إذ تعرضت لاعتداء أكثر من مرة، وكذلك بسبب نقص التمويل. وذكر أن ممرضة تعرضت لإطلاق رصاص أثناء تأديتها لعملها في الفترة الأخيرة، كما تعرضت أخرى للضرب.

وقال الحباس لم نعد نجري حاليا سوى عمليات الطوارئ. وأضاف أنه لم تعد لدى المستشفى أدوات التخدير والتعقيم وحتى الشاش. وتساءل”كيف يمكن العمل إذن؟”.

وعبدالحكيم الشايبي، أحد المواطنين الليبيين، فشل في توفير عناية متخصصة لابنته ذات الستة أعوام في ليبيا أو الحصول على تأشيرة سفر لعلاجها بالخارج، لكنه قرر عدم الاستسلام وترك ابنته دون علاج؛ فقد اشترى زورقا مزودا بمحرك وانطلق معها الشهر الماضي عبر المتوسط.

وبعد رحلة استمرت ساعتين ونصف الساعة انطلاقا من صبراتة بغرب ليبيا وصل الزورق إلى سفينة أوروبية كانت قد كُلفت بإنقاذ المهاجرين.

وقال الشايبي إنه رفع علما أبيض في مواجهة السفينة في إشارة إلى السلام.

وجاء حديث الشايبي عبر الهاتف هذا الأسبوع من مدينة جنوة الإيطالية حيث تخضع ابنته ساجدة، التي تعاني أحد أمراض الدم النادرة، لفحوص طبية. وأضاف أن صديقا له قال لهم إن برفقته طفلة مريضة.

وسرعان ما تلقفت القصة مواقع التواصل الاجتماعي على أنها مثال على التداعيات المأساوية لانهيار النظام الصحي في ليبيا في خضم تدهور الحالة الأمنية والأزمة المالية والنقص المزمن في العاملين بالمجال الصحي والدواء.

وقال الشايبي إنه قرر القيام برحلة على الزورق عندما زار مستشفى طرابلس المركزي في وقت سابق من العام الجاري ووجده في حالة مزرية وصفها بأنها أسوأ مئة مرة مما كانت عليه. وأضاف أن المستشفى لم يكن به طاقم تمريض في المساء أو دواء أو رعاية صحية على الإطلاق.

وصار المستشفى حاليا في حالة مؤسفة بسبب الانقطاع المتكرر للكهرباء والمياه، كما يشكو نقصا حادّا في الموارد البشرية.

وقبل ثلاثة شهور أغلقت غرفة الطوارئ بعد إطلاق النار على ممرض وضرب آخر. ولم تعد هناك أماكن شاغرة في مشرحة المستشفى لانتظار العاملين بها لتصاريح دفن الجثث التي لم تحدد هويتها. ومن بين 250 ممرضة أجنبية لم تبق سوى 40 ممرضة في حين تخشى الممرضات الليبيات العمل بسبب التهديدات الأمنية.

وقال هارون رشيد المسؤول بمنظمة الصحة العالمية إن هذه القصة تتكرر في أنحاء ليبيا وأن نحو نصف المستشفيات البالغ عددها 159 مغلقة أو لا تقدم سوى خدمات لا تفي بالحاجة.

وقبل الإطاحة بمعمر القذافي في عام 2011 كانت ليبيا تعتمد كثيرا على أطباء وممرضات أجانب يحصلون على رواتب كبيرة بسبب دخل البلد من النفط، لكن نحو 80 في المئة من هؤلاء العاملين غادروا البلاد، وهو ما حرم المنشآت الطبية من الرعاية المتخصصة المطلوبة في وحدات حديثي الولادة أو في معالجة العدد الكبير من المصابين جراء الحوادث المرورية.

وتقول منظمة الصحة العالمية إن حالات الملاريا المستوطنة بدأت في الظهور في الآونة الأخيرة جنوب ليبيا.

وأعربت المنظمة عن مخاوفها من عودة ظهور مرض شلل الأطفال والمقاومة المتنامية للعقاقير المضادة لفيروس نقص المناعة المكتسبة بسبب اضطرار المرضى إلى استخدام أدوية بديلة نتيجة لنقص الأدوية التي اعتادوا عليها. وفي بلد ينتشر فيه الاستخدام المفرط للأدوية لا توجد مراكز لإزالة السموم.

alarab