معركة بنغازي تقلب المعادلة السياسية في ليبيا

بدأت المعادلة السياسية في ليبيا تتغير تدريجيا لصالح السلطات شرق البلاد، على وقع الانتصارات التي حققتها قوات الجيش الليبي بقيادة الفريق خليفة حفتر في مدينة بنغازي في الفترة الأخيرة.

تونس – في الوقت الذي يجري فيه رئيس مجلس النواب عقيلة صالح زيارات لمختلف الدول العربية بغية إقناعها بتوسيع العملية السياسية، سيطرت قوات الجيش على مواقع جديدة بمدينة بنغازي كان آخرها السيطرة على بوابة قنفودة.

وعلى إثر ذلك أعلن المكتب الإعلامي للجيش الليبي إطلاق عملية جبين المجد لتحرير منطقتي سوق الحوت والصابري آخر معاقل الإرهابيين في المدينة.

ويبدو الجيش الليبي كأنه يسابق الزمن لحسم هذه المعركة التي تواصلت على مدى سنتين. وبحسب متابعين فإن الحسم العسكري في مدينة بنغازي سيكون له الأثر السياسي البالغ وسيرجح الكفة في ليبيا لصالح الجيش والسلطات الموالية له شرق البلاد، بعد أن يكون قد قطع الطريق أمام محاولات التيار الإسلامي الذي يحاول السيطرة على ليبيا منذ الإطاحة بنظام العقيد معمر القذافي.

وبعيد توقيع الاتفاق السياسي في مدينة الصخيرات المغربية، بدأ الحديث يتسرب من أروقة المطبخ السياسي الليبي بخصوص عزم المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق على إقصاء الفريق أول خليفة حفتر من المشهد السياسي والعسكري القادم.

وينص الاتفاق السياسي في مادته الثامنة على انتقال المناصب العسكرية والسيادية لسلطة المجلس الرئاسي بعد توقيع الاتفاق، بما في ذلك منصب القائد العام للجيش الليبي الذي يتولاه حاليا الفريق أول خليفة حفتر.

ولئن لم يصدر عن المجلس الرئاسي أي تصريح رسمي ومباشر بخصوص اتخاذ هذه الخطوة، لكن تصريحات بعض أعضائه المحسوبين على التيار الإسلامي ومن بينهم النائب الأول لرئيس المجلس أحمد امعيتيق ألمحت إلى ذلك، حيث قال في تصريح لصحيفة الأهرام المصرية بعيد وصول المجلس الرئاسي إلى طرابلس، إن المؤسسة العسكرية لا ينبغي أن تبنى على شخصيات في إشارة إلى الفريق خليفة حفتر.

كما أن حرب البيانات التي شنها المجلس الرئاسي على الجيش وقائده فور دخوله العاصمة طرابلس عكست نية تتجه نحو إقصاء الرجل من المشهد السياسي والعسكري المقبل.

واعتبر مراقبون حينها أن عزم المجلس الرئاسي والغرب على إقصاء حفتر من المشهد في حين أبقيا على بعض الشخصيات الجدلية المحسوبة على التيار الإسلامي، سيؤدي بشكل أو بآخر لتقسيم البلاد، ذلك أن الرجل يحظى بتأييد شعبي واسع في المنطقة الشرقية، الأمر الذي عبرت عنه الاحتجاجات التي خرجت في عدة مدن من الشرق تندد بمخرجات الاتفاق السياسي.

ويرى مراقبون أن تمسك مجلس النواب بعدم منح الثقة لحكومة الوفاق المنبثقة عن اتفاقية الصخيرات، منح السلطات شرق البلاد المزيد من الوقت لإعادة ترتيب أوراقها.

وفشل مجلس النواب تسع مرات في عقد جلسة للتصويت على الحكومة الجديدة، حيث يشدد النواب الرافضون للحكومة على ضرورة تعديل المادة الثامنة كشرط لعقد جلسة للتصويت عليها وإجراء التعديل الدستوري لإدخال الاتفاق السياسي حيز التنفيذ.

وتعتبر بنغازي ثاني أكبر مدينة في ليبيا بعد العاصمة طرابلس، وتحظى بقيمة رمزية كبيرة باعتبارها أول مدينة انتفضت على نظام العقيد معمر القذافي ومثلت عاصمة للمجلس الانتقالي الذي تأسس أثناء أحداث الإطاحة بالنظام السابق.

وفي هذا السياق اعتبر المحلل السياسي الليبي عيسى عبدالقيوم أن السيطرة على مدينة بنغازي بعد دحر الجماعات الإسلامية المتطرفة بمختلف مشاربها سيساهم بشكل أو بآخر في قلب المعادلة السياسية.

وذهب عبدالقيوم في حديثة لـ”العرب” إلى التأكيد أن حسم المعركة في مدينة بنغازي وتحريرها المقرون برفض الإسلام السياسي يعني مباشرة سقوط اتفاق الصخيرات، مستندا في حديثه إلى المكانة السياسية التي تحظى بها المدينة تاريخيا.

ويرى متابعون أن المجلس الرئاسي بات تحت سيطرة التيار الإسلامي في ظل تواجده في العاصمة حيث تقوم الميليشيات الإسلامية بحراسته، إضافة إلى تواصل انسحاب ممثل إقليم برقة علي القطراني ووزير الدولة بالمجلس عمر الأسود المحسوب أيضا على السلطات شرق البلاد.

وفي خضم الانتصارات المتتالية التي حققتها قوات الجيش منذ توقيع الاتفاق السياسي ديسمبر الماضي وحتى الآن، لا يستبعد مراقبون إعلان تحرير مدينة بنغازي بشكل كامل خلال الفترة القليلة المقبلة.

وربط المحلل السياسي عيسى عبدالقيوم هذه الانتصارات بالزيارة الأخيرة التي أداها حفتر لروسيا بدعوة رسمية من السلطات هناك، وقال في اتصال هاتفي مع “العرب” إن تقديرات الروس تذهب في اتجاه قدرة الجيش على حسم المعركة مع الإرهاب في ليبيا، وبالتالي دعوة حفتر تأتي في إطار فتح باب مبكر مع الجيش.

وفي المقابل لا يبدو التيار الإسلامي في ليبيا غافلا عن هذه التطورات السياسية والعسكرية التي باتت تصب في مصلحة السلطات المنعقدة شرق البلاد.

وعكست الزيارة الأخيرة لعدد من قادة الإخوان المسلمين للولايات المتحدة الأميركية مخاوفهم من التحركات الأخيرة التي قام بها خليفة حفتر من بينها زيارته لموسكو والقاهرة.

وكشف بيان صادر عن المجلس الأميركي الليبي للشؤون العامة عن هدف الزيارة التي سعوا فيها لإبراز ما أسموه التخريبات التي يقوم بها حفتر بحجة مكافحة الإرهاب ودعمه لما أسموه بـ”الثورة المضادة” في إشارة إلى رموز النظام السابق.

لكن المحلل السياسي، عيسى عبدالقيوم، قلل من قيمة هذه الزيارة، مرجحا أن يكون لها مردود عكسي وذلك لعدم صدقهم في توصيف الواقع للأميركيين، الأمر الذي سيضعهم قريبا في حرج، ذلك أن الأميركيين لديهم أكثر من مصدر داخل ليبيا.

وسبق هذه التحركات السياسية للإسلاميين، هجوم عسكري شنته ميليشيات ما يعرف بسرايا الدفاع عن بنغازي على تمركزات للجيش الليبي جنوب مدينة أجدابيا، الأمر الذي مكنها من السيطرة على بعض المواقع قبل أن تقوم قوات الجيش بطردها وإرجاعها إلى منطقة الجفرة حيث تتمركز منذ أن طردها الجيش الليبي من مدينة بنغازي.

alarab