ليبيا والحرب بين المفتي والجنرال

يترسخ في ليبيا باضطراد واقعان سياسيان، الأول قائم على الأرض، والثاني تحاول الأمم المتحدة أن تنقله من “العالم الافتراضي” إلى الأرض ليكون بديلا عن الموجود في غرب البلاد وشرقها.

وحتى الآن لم تتمكن الأمم المتحدة من إتمام تسليم السلطة لحكومة التوافق الوطني برئاسة فايز السراج، ولم يحسم مجلس النواب في طبرق أمره حيالها، ولا تزال الحكومة المنبثقة عنه برئاسة عبد الله الثني تعمل، كما لا تزال حكومة طرابلس المنبثقة عن المؤتمر الوطني العام قائمة في طرابلس، فباتت البلاد مقسمة بين ثلاث حكومات، واحدة في الشرق واثنتان في الغرب، إحداها وهي حكومة الوفاق التي تعترف بها الأمم المتحدة لا يتعدى نفوذها حتى الآن قاعدة بوستة البحرية شرق العاصمة طرابلس.

ومنذ أن سلم المجلس الانتقالي الذي تولى إدارة الحرب ضد القذافي السلطة للمؤتمر الوطني العام المنتخب عام 2012، صارت الحكومات تتوالد وتمارس صلاحياتها من دون أن ترث واحدة أخرى، حدث ذلك في صيف عام 2014 حين لم يتمكن المجلس الوطني العام من الاتفاق على تسليم واستلام السلطة مع مجلس النواب المنتخب حديثا، ما أدى إلى ظهور حكومة في طبرق منبثقة عن مجلس النواب وأخرى في طرابلس منبثقة عن المؤتمر الوطني العام.

وظهر هذا التشظي مؤخرا بشكل جلي حين هاجمت قوات أعلنت ولاءها لمفتي الديار الليبية الصادق الغرياني جنوب مدينة اجدابيا، في خطوة كان مهد لها الغرياني بإعلان وجوب محاربة حفتر واستعادة بنغازي ومدن الشرق من قبضته.

ويرى الغرياني الذي كانت حكومة طبرق قد عزلته في وقت سابق أن تنظيم “داعش” في سرت، وحفتر بمثابة “ثورة مضادة” لـ”ثورة 17 فبراير”، وهما بنفس الدرجة من الخطر، وكلاهما يتحالف مع “الأزلام” وهو التوصيف الذي يلصق بأنصار الزعيم الليبي السابق معمر القذافي.

ويضع مفتي ليبيا قوات “حرس المنشآت النفطية” التي يرأسها إبراهيم الجضران في قائمة الأعداء، ويتهمه بأنه يتحكم في “أرزاق الليبيين” في إشارة إلى سيطرة قواته على موانئ تصدير النفط الرئيسة فيما يعرف بالهلال النفطي، وهو أيضا لا يعترف بحكومة الوفاق الوطني ويعدها حكومة وصايا.

وزاد الهجوم الذي قامت به القوات التابعة للمفتي على اجدابيا من حدة الصراع بين الأطراف الليبية، ومن الانقسام الحاد بين الشرق والغرب. وأعلن بهذا الصدد رئيس مجلس النواب عقيلة صالح النفير العام في البلاد ردا على مهاجمة مدينة اجدابيا، وعيّن اللواء عبد الرزاق الناظوري حاكما عسكريا للمنطقة الممتدة من درنة شرقا إلى بن جواد غربا.

وقام رئيس مجلس النواب بهذه الخطوة بصفته “القائد الأعلى للقوات المسلحة الليبية”، وهي الصفة ذاتها التي يتولاها أيضا “المجلس الرئاسي” التابع لحكومة الوفاق الوطني.

وبهذا الشكل تكون القوات التابعة لمجلس النواب والتي يقودها الفريق أول خليفة حفتر بصفته القائد العام قد باتت تقاتل على جبهتين، الأولى ما تبقى من المسلحين الإسلاميين والمسلحين التابعين لداعش في آخر معاقلهم في حي الصابري ومنطقة الميناء، والثانية الجبهة الجديدة التي فتحتها في اجدابيا القوات التابعة للمفتي الصادق الغرياني والتي يقودها إسلاميون طردوا في وقت سابق من بنغازي.

ولا يزال هذا الوضع المنقسم بشكل حاد مرشح للمزيد، بخاصة أن العاصمة طرابلس وما حولها تسيطر عليها من الناحية الفعلية مليشيات من مختلف المشارب، فيما تقود قوات عملية “البنيان المرصوص” الحرب في سرت ضد “داعش” ومعظمها ينتمي إلى مدينة مصراتة، صاحبة أكبر قوة ضاربة في غرب البلاد.

تلك القوات تمكنت من دحر مسلحي التنظيم الذين خسروا معظم الأراضي التي كانوا يسيطرون عليها حول سرت، بل وباتوا محاصرين في رقعة ضيقة داخل المدينة، إلا أن اللافت أن مفتي الديار الليبية يأمل في أن تتقدم هذه القوات بعد أن تكمل بسط سيطرتها على سرت إلى الشرق لمقاتلة حفتر.

يحدث كل ذلك وسط أوضاع معيشية مزرية في مختلف أنحاء البلاد بسبب توالي أزمات انقطاع التيار الكهربائي لساعات طويلة، وغلاء المعيشة وارتفاع أسعار العملات الصعبة وتوقف المصارف عن العمل وسوء الخدمات الصحية، بالإضافة إلى سوء الأوضاع الأمنية وانتشار الجرائم الكبيرة مثل الاختطاف بدافع الفدية ولدوافع أخرى، والقتل العمد والعشوائي والاختفاء القسري. تلك هي الخطوط العامة للواقع الليبي الذي بدأت تتشكل ملامحه بهذه الصورة المأساوية منذ عام 2011. واقع تبدو مشاهده حتى الآن من دون أي أفق لحل يُخرج البلاد من هوة الفوضى العارمة والمستفحلة.

محمد الطاهر