الإجلاء .. ذكرى مجيدة من زمن السيادة

اشتيوي مفتاح الجدي

يرتبط مفهوم السيادة بمفهوم الإستقلال ، فالدولة المستقلة هي الدولة السيدة القادرة على ممارسة مظاهر سيادتها على الصعيدين الداخلي والخارجي بحرية دون تدخل من أحد. هذه السيادة تعنى أن الدولة لها الكلمة العليا واليد الطولى على إقليمها بما فيه وما فوقه وما تحته .

وللأمم والشعوب الحُرة تواريخ ومواقيت تعد من المحطات المهمة في مسيرة التاريخ الإنساني.. بالنسبة لليبيين الشرفاء إجلاء القواعد البريطانية والامريكية وبقايا الطليان عام 1970تأتي على رأس قائمة المحطات المشرّفة في مسيرة تاريخ ليبيا الحديث.

المفارقة هنا هي ان طُغمة الفبرايريين الخونة عملاء الإستعمارالذين مكّنهم التحالف العسكري الأجنبي من الإستيلاء على مقاليد الحُكم في ليبيا عام 2011 ، يحاولون عبثاً تزييف الحقائق التاريخية ، متناسين ان التاريخ قد سجّل بحروف من نور منجزات ثورة الفاتح من سبتمبر1969 ولايمكن لأي حاقد او جاحد أن ينقص مقدار ذرة من الأمجاد التي صنعتها تلك الثورة الليبية الأصيلة.إذ لم يخجل بعض آل فبراير السنوسيين من التقوّل بالباطل على منجز ثورة الفاتح العظيمة الذي حلّت ذكراه العطرة يوم 11 يونيو الجاري ، والمتمثل في عيد إجلاء القواعد الأمريكية من تراب ليبيا عام 1970. فـ بعضهم مافتأ يحاول جاهدا نكران هذا المنجز الوطني الكبير على رجال ثورة الفاتح العظام و نسبه بالباطل لحكومة المملكة السنوسية ، ومرجع ذلك البعض لخبر منشور على قصاصة جريدة تعود لعام 1967مفاده إبلاغ وزير الخارجية لسفيري بريطانيا وامريكا برغبة حكومة المملكة السنوسية النظر في امكانية التباحث حول انهاء معاهدات القواعد الأجنبية على التراب الليبي.

لهؤلاء أقول : أي نعم ، تحت ضغوط قوى الحركة الوطنية القومية فقد طالب بعض اعضاء مجلس النّواب الحكومة السنوسية بضرورة النظر في إنهاء معاهدات القواعد الأجنبية ، إلا أن الحكومات السنوسية المتعاقبة كانت تتجاهل مطلبهم ، غير أنه وبالنظر لإتساع القاعدة الشعبية للحراك العروبي القومي الداعم للقضايا العربية فلم يجد مجلس النّواب بُد من الرضوخ لتلك الضغوط ، ولم يكن للحكومة السنوسية من مخرج سوى النزول عند مطلب مجلس النّواب ، ولكنها لم تكن مطلقاً راغبة ولا جادة في تصفية القواعد البريطانية والامريكية بالفعل وإنما كانت تخادع الشعب الليبي وتحاول تهدئة الحركة الوطنية القومية التي كانت تقف بالمرصاد للحكومات السنوسية العميلة.

خلاصة القول : هو ان الحقيقة الثابتة التي شهدها الشعب الليبي وسجلها التاريخ بحروف من نور هي ان ثورة الفاتح العظيمة هي من استجاب فعلياً لمطالب قوى الحركة الوطنية القومية وحققت رغبة الشعب الليبي في التخلص من القواعد الأجنبية التي كانت جاتمة على تراب الوطن.. فكم هي أصيلة وعظيمة ثورة الفاتح ، وكم هم عظام رجالها فقبل أن يفكروا في إرساء دعائم حكم الجمهورية الوليدة طالبوا وبكل قوة حكومتي بريطانيا وامريكا بضرورة النزول عند رغبة الشعب الليبي وإجلاء قواعدهما العسكرية دون مماطلة ، وطالبوا حكومة ايطاليا بضرورة ترحيل المستوطنين الطليان وتسليم كامل ممتلكاتهم لحكومة ثورة الفاتح التي سلمتها لمستحقيها من المواطنيين الليبيين الذين كان معظمهم مستخدمين لدى اولئك المستوطنين الطليان.

هذه السطور إنما هي لتذكير الجاحدون من بني آل فبراير لعل وعسى أن يكون من بينهم من أستعاد رشده وينتفع بالذكرى التي تنفع المؤمنين. ولايفوتني هنا تذكير السنوسيين منهم ببعضاً من منجزات حكومات المملكة السنوسية والتي لاشك أن معظم الليبيين يعرفونها حق المعرفة ولكن الفبرايريين السنوسيين مازالوا في غيّهم يعمهون الى حد جعلهم يحاولون زوراً نسب شرف إجلاء القواعد الأجنبية عن تراب ليبيا للمملكة السنوسية ، مع ان حكومات المملكة السنوسية هي التي شرعنت وجود تلك القواعد الأجنبية على تراب ليبيا!. وفوق ذلك لم تتخذ الحكومات السنوسية أي موقف ضد المعاملة المهينة التي كان يتعامل بها الجنود والمدنيين الانجليز والأمريكان والطليان مع المواطنين الليبيين ، فضلاً عن ضياع حقوق المواطنين الليبيين الذين استشهدوا نتيجة للحوادث التي سببتها تلك القواعد العسكرية.

ناهيك عن انه في ظل حكم الملك المُفدّى ادريس السنوسي (حامل كتاب الله) كانت الخمّارات والملاهي الليلية وبيوت الدعارة مشرعة بحكم القانون والأجانب يرمون المواطنين الليبيين بـ علب وقناني البيرة والويسكي الفارغة ، وللأسف المؤمسات يتراقصن ويزنين مع اولئك الأجانب في ظل راية الإستقلال المزيف وتحت حماية شرطة حكومات الملك المُفدّى ادريس السنوسي!.للأسف شئنا أم أبينا تلك الحقائق المُرّة كانت جزء من صورة واقع ليبيا المحزن انذاك ، وهكذا كان حال الليبيين المؤسف قبل انبلاج فجر ثورة الفاتح العظيم في غرة أول سبتمبر1969 التي بفضل الله وعونه ثأرت للوطن والمواطن الليبي وطهرت ليبيا من الوجود الأجنبي الإستعماري.

ختاماَ ، تبث بما لايدع مجالاً للشك بأن ليبيا كانت في ظل ثورة الفاتح العظيمة بلاد آمنة و مستقرة ، ودولة ذات سيادة مُهابة الجانب بين الأمم.. إلاّ أنها بعد مؤامرة فبراير اللعينة وعدوان التحالف العسكري الأجنبي عام 2011 ، أضحت بلداً محطماً منتهك السيادة ، وغدت شبح دولة ألعوبةً في أيدي حكومات دول ودويلات اجنبية. وما يثير الأسف العميق أن الموالاة للخارج ، باتت سلعة تتنافس عليها جماعات حزبية ومليشيات مناطقية ومليشيات اسلاموية ظلامية ، باعت الغالي والرخيص للخارج ، يأخذون بليبيا يوماً بعد يوم إلى الهاوية ويمهدون بذلك إلى استعمار جديد.