المؤسسة العسكرية في ليبيا: أزمة متواصلة

عبدالباسط غبارة – بوابة أفريقيا الإخبارية

تعتبر المادة الثامنة من الاتفاق السياسي نقطة الخلاف الرئيسية بين الفرقاء الليبيين والتي تنص على انتقال كل المناصب السيادية في البلاد إلى المجلس الرئاسي الذي سيقوم في ما بعد بإعادة تسمية شخصيات تتولى هذه المناصب، بما فيها منصب القائد العام للجيش الليبي الذي يتولاه الفريق أول خليفة حفتر، لتتواصل أزمة المؤسسة العسكرية في ظل الفوضى الليبية وخطر الإرهاب.

وتستمر المواجهات بين القوات الليبية وتنظيم داعش في أكثر من نقطة في البلاد حيث أصبح التنظيم يشكل خطرا حقيقيا على ليبيا، في ظل استمرار الخلافات السياسية بين حكومة الوفاق الوطني المدعومة من الأمم المتحدة التي يرأسها فايز سراج وبين قائد القوات العسكرية الليبية خليفة حفتر،حيث إن قائد الجيش ومجلس النواب ما زالوا جميعا يقاطعون الاتفاق السياسي الليبي.وهو ما يقف عائقا أمام توحيد الجيش.

إلى ذلك قال مارتن كوبلر المبعوث الأممي إلى ليبيا، في حوار مع صحيفة “دو ديمانش” الفرنسية، إن “رئيس المجلس الرئاسي فايز السراج هو القائد الأعلى للجيش الليبي، ونحتاج إلى أن يتفق الجميع على ذلك”. وأضاف قوله “عن مزاعم حفتر بوجود جيش موحد في بقية الأراضي دعنا نقُل إنه ليس جيشا بل هو مجموعة من القوات النظامية، وموالون للقذافي ومرتزقة من السودان أو تشاد وبعض القوى القبلية، هناك أيضا مجموعة من القوات الخاصة الفرنسية والأميركية على أرض الواقع في ليبيا إضافة إلى ميليشيات مصراتة”، مشددا على ضرورة توحيد قواعد هذه المعركة عبر بناء جيش حديث.

وأكد المبعوث الأممي أن “تراجع رفع حظر التسليح لن يستفيد منه سوى الجيش الحديث الموحد، وهو ما جرى قبوله في فيينا الأسبوع الماضي”.وقال كوبلر، إن المأزق السياسي في الشرق الليبي، مرتبط بعدم منح برلمان طبرق (شرق)، الثقة لحكومة الوفاق الوطني، المنبثقة عن اتفاق الصخيرات، مشددا في الوقت ذاته، على ضرورة تشكيل جيش موحد، لعلاج المشكلة الأمنية القائمة في مدينة سرت (وسط)، معقل تنظيم “داعش”. وفي حديثٍ صحفي، أوضح المبعوث الأممي أن “دخول المجلس الرئاسي الليبي، إلى العاصمة طرابلس يعد تتويجا تاريخيا للحوار السياسي في البلاد، لكن هذا غير كافٍ، فهناك مأزق سياسي في الشرق يجب معالجته”. وأضاف، أن “المشكلة السياسية الجارية شرقي البلاد، متعلقة ببرلمان طبرق، الذي يجب أن يمنح الثقة لحكومة الوفاق ليعطيها شرعية العمل والتحرك ضمن المهام المنوطة بها.

من جهته قال مدير إدارة الإعلام الخارجي بالحكومة الموازية في طرابلس، جمال زوبية،خلال مشاركته في برنامج محطات مغاربية، عبر قناة “الحوار”على ضرورة الحد من دور القائد العام للقوات المسلحة الفريق خليفة حفتر، متهما إياه بتدمير بنغازي والسعي إلى إقامة دولة دكتاتورية، وتنفيذ عمليات اغتيال بمساندة من المخابرات المصرية، بحسب وصفه. وسبق أن رفض حفتر بشدة الانضمام لحكومة الوفاق الوطني قبل حلّ الميليشيات الإسلامية المتحالفة معها، حيث قال “لا يمكن على الإطلاق أن ينضم الجيش لحكومة فايز السراج قبل حل الميليشيات”.

يأتى ذلك بالتزامن مع وصول “القائد العام للقوات المسلحة” التابعة للحكومة المؤقتة خليفة حفتر العاصمة الأردنية عمان،الأربعاء. وقالت وكالة الأنباء الليبية التابعة للحكومة المؤقتة أن زيارة حفتر إلى الأردن تأتي “تلبية لدعوة الملك عبد الله الثاني”، دون أن تعطي تفاصيل أخرى. وتعد الزيارة الحالية التي يؤديها حفتر الثالثة من نوعها إلى الأردن، حيث سبق له أن التقى، في زيارتين سابقتين، رئيس هيئة الأركان المشتركة مشعل الزين.

ويحظى قائد عملية الكرامة بدعم شعبي من قبل العديد من المدن في ليبيا، فقد قام العشرات من المواطنين في بنغازي وأوجلة والبيضاء بتنظيم احتجاجات كبرى، في العام الماضي، طالبوا خلالها بتكليف حفتر بقيادة القوات المسلحة، مع منحه صلاحيات واسعة من أجل مكافحة الإرهاب وتحجيم التنظيمات الجهادية المتطرفة.ويواجه السراج صعوبة في إنهاء أزمة المؤسسة العسكرية والمرتبطة بمصير خليفة حفتر، باعتبار أن الاتفاق السياسي، ينص على شغور المناصب العسكرية العليا على أن يتولى المجلس الرئاسي صلاحياتها إلى حين اختيار قيادة جديدة للجيش، وهو ما ساهم في تعميق الأزمة . وأمام تغوّل التنظيمات المتشددة والتي أصبحت تشكل خطرا حقيقيا ليس فقط على أمن واستقرار ليبيا وإنما على الأمن القومي لدول الجوار، طالب فاعلون سياسيون بدعم قوات الجيش وصدّ محاولات إقصاء قائدها خليفة حفتر من المشهد الليبي.

وفي فبراير الماضي، تقدم السراج بتشكيلة حكومية تضم 18 وزيرًا، لمجلس النواب للمصادقة عليها، لكن برلمان طبرق، فشل على مدى أكثر من أربعة أشهر في عقد جلسة رسمية لمناقشة منح الثقة من عدمها لتلك التشكيلة. وفي 21 نيسان الماضي، أصدر 102 نائب بياناً منحوا به الثقة لتلك التشكيلة، فيما اعتبر نواب معارضون للحكومة الإجراء بأنه غير قانوني كونه لم يتم خلال جلسة رسمية تحت قبة البرلمان.وفى هذا السياق قال أبوبكر بعيرة، عضو مجلس النواب الليبي، الأربعاء، إن ما يحدث في ليبيا غريب، لاسيما أن المجتمع الدولي متعجل لأمر حكومة الوفاق ويقفز على جميع الخطوات القانونية والدستورية التي يجب أن تتم منذ البداية بعد التوقيع علي اتفاق الصخيرات بشكل غير صحيح، فيما أحدث ذلك حالة من الإرتباك حتى الآن.

وأضاف بعيرة، خلال حواره عبر برنامج حصة مغاربية، على شاشة “الغد” أن رئيس المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق فايز السراج هو فى النهاية عضو فى البرلمان، ويفترض أن يقدم استقالته أولاً ومن ثم الحصول على ثقة البرلمان، كل هذا لم يتم ولا توجد حكومة فى العالم بها سلطة تشريعية تمارس أعمالها دون منح الثقة، مشدداً على أن المجتمع الدولي آراؤه مختلفة وبالتالي لا تحظي تلك الحكومة بالدعم الكامل، وحل المشكلة الآن هو أن تترك العملية السياسية للاطراف الليبية بالدرجة الأولي، بحسب قوله.

على صعيد آخر يتقدم المقاتلون المناصرون لحكومة الوحدة الليبية التي تدعمها الأمم المتحدة بمحاذاة ساحل البحر المتوسط نحو معقل تنظيم “الدولة الإسلامية” (داعش) في سرت، مسقط رأس العقيد القذافي، ما يمثل أول هجومٍ شامل على المنطقة التي أصبحت منذ عام 2015 أكبر قاعدة للتنظيم خارج العراق وسوريا.وأعلنت قوات حكومة الوفاق الوطني الليبية، الأربعاء، فرض سيطرتها على المحطة الكهربائية في مدينة سرت، معقل تنظيم “داعش” في ليبيا شرقي العاصمة طرابلس.وذكر المركز الإعلامي لعملية “البنيان المرصوص” ، عبر موقع “تويتر” أن القوات “تسيطر على المحطة البخارية بالكامل”، الواقعة على مسافة 23 كم غربا عن وسط المدينة.

وأشار المركز إلى “تجدد الاشتباكات ضد عصابة داعش داخل الحدود الإدارية لمدينة سرت”، مؤكدا أن القوات الحكومية “تسيطر على وادي جارف” بعد انسحاب التنظيم.وفي وقت سابق هذا الأسبوع، تمكن حرس المنشآت النفطية الذي يحرس مرافئ نفط رئيسة، في شرق ليبيا، من استعادة السيطرة على بلدتين صغيرتين كان تنظيم داعش يسيطر عليهما.

وفى المقابل أعلن الناطق العسكري باسم القوات المسلحة الموالية للحكومة المؤقتة عقيد أحمد بوزيد المسماري الأربعاء، أن المعارك نحو تحرير بنغازي بالكامل قد بدأت، مشيراً إلى انتهاء الحرب على الإرهاب فى بنغازي خلال يومين، على أن يتم الإنتقال للجانب الأمني بعد ذلك.لافتاً إلى استهداف الإرهابيين في القوارشة لفتح الممرات لقوات المشاة بمختلف وحداتها، حيث تم فتح عدد من الممرات، وذلك بحسب ما أوردته وكالة الأنباء الليبية.

وقال المسماري: إن عمليات قوية لغرفة عمليات عمر المختار في درنة بدأت خلال الـ72 الماضية بكافة أنواع الأسلحة وخصوصا السلاح الجوي، وذكر أن سلاح الجوي استهدف عدة مواقع هامة للإرهابيين في درنة.وذكر أن السلاح الجوي بسربيه المقاتل والعمودي، يمهدون لدخول قواتنا المسلحة لدرنة لتحريرها من قبضة الإرهاب. وعن سرت، قال المسماري: إن غرفة عمليات تحرير سرت بدأت في الاستطلاع بالطيران والمشاة وستنتقل المعارك لتخوم سرت بتحرك القوات المتمركزة حول المركز.

وتتواصل المافسة على أشدها بين الفرقاء الليبيين في الحرب على داعش في ظل انقسامات حادة تهدد جهود الوحدة في ليبيا.وفي هذا الصدد نقلت صحيفة “نيويورك تايمز” الأمريكية تحذيرات محللين ودبلوماسين من أنه رغم معالجة الهجوم على سرت لأكبر مخاوف الغرب في ليبيا، إلا أنه يهدد بزعزعة جهود السلام الهشة، من خلال تعزيز المنافسة الشرسة بين المجموعات المتنافسة في ليبيا.ونقلت الصحيفة عن فريدريك ويهري المتخصص في شؤون ليبيا بمعهد “كارنيجي” الدولي للسلام، والذي زار البلاد مؤخرا، أنه “منذ عام واحد فقط كانت هاتان المجموعتان تقاتلان سعيا للسيطرة على الهلال النفطي الليبي، ويقذفان بعضهما بالصواريخ والقذائف، والآن هما تجتمعان على عدو مشترك، ولكن الخوف الأكبر مما سيأتي لاحقا”.

يشار إلى أنه بعد سقوط نظام العقيد القذافي تحولت ليبيا إلى قبلة لجماعات متشددة،وكان تنظيم داعش قد استغل الفوضى والصراع السياسي في البلاد، وتمكن من السيطرة على مدينة سرت العام الماضي.وتأمل الدول الغربية في أن تستطيع الحكومة المدعومة من الأمم المتحدة، والتي وصلت إلى طرابلس في مارس/آذار، من توحيد الفصائل المتناحرة في ليبيا لهزيمة تنظيم داعش والتنظيمات الأخرى المتطرفة.