حكومةُ السرّاج: قناع محليّ لاستعمار غربيّ جديد يُقَسِّمُ ليبيا

إذا كان “الكومبرادور” مُصطَلَحَاً يُطْلَقُ عَادَةً على الطبقةِ أو الشريحة الاجتماعيّة البرجوازيّة المحلّيّةِ التي يُوَظِّفُها رأس المال الأجنبي (الإمبريالي خاصّةً) للاستيلاءِ على السوق الوطنيّةِ في البَلَدِ المُسْتَهْدَفِ إمبرياليّاً فَتُحَقِّقُ هذه البرجوازيّة مَصالِحَها الأنانيَّةَ على حسابِ المجموعةِ الوطنيّةِ في بَلَدِها، فإنَّ هذه البرجوازيّةَ لا وَطَنيّة بالضرورة.

وإذا كانَ أصْلُ المُفْرَدَةِ / المُصْطَلَح “كومبرادور” بُرتُغاليّاً ، فإنَّ أساسَها الواقِعِيَّ هُو المُواطِنُون الصِّينيُّون الذينَ كانُوا وُسَطاءً يخدِمُونَ مَصالِحَ الأوربيِّ المُسْتَعْمِرِ على حسابِ مَصالِحِ شَعْبِهِم المُسْتَعْمَر ، الأمْر الذي حَدا الحزْبَ الشيوعيَّ الصِّينيَّ إبّانَ الثورة وبَعْدَها بقيادَةِ الرفيق ماوتسي تونغ ، إلى خَلْعِ مُصْطَلَح “كومبرادور” على الوُسَطاء الصينيين مع الاستعمار لِفَضح عمالتهِم للمُسْتَعْمِر أمام الشعب الصينيّ بأسرِه..، فإنَّ هذا المُصْطَلَحَ باتَ يُطْلَقُ في بُلدانِ ما يُسَمَّى “العالَم الثالث” على المُدَراءِ المَحَلِّيّين والوُكَلاءِ التِّجارِيّين لِلشَّرِكاتِ الأوربِّيّةِ لِيَنْسَحِبَ على كُلِّ شَخْصٍ يقُومُ باستِيرادِ البَضائعِ الأجنبيّةِ وَتَسويقِها في بلادِهِ أو بِتَقْدِيمِ الخَدَماتِ المُخْتَلِفَةِ لِحِسابِ المُنْتِجينَ أو المُوَزِّعِينَ الأجانب ونيابَةً عَنْهُم ، لِغَرَضِ الرّبْحِ على حسابِ الانتاجِ الصناعي الوطَني المَحَلِّي ، وعلى حساب قضايا الوَطَن المفصليّة ومصالِحِةِ العُليا.

إذا كانَ ذلكَ كذلكَ ،فإنَّ هذهِ الطبقة مِن رِجالِ الأعْمالِ والتجّار في ما يُسَمَّى “دُوَل الرّبيع العربي” ، تأخذُ  على عاتِقِها هذا الدَّوْرَ “الكومبرادوري” في دُوَلٍ دَمَّرَتْ “ثوراتُ الفوضى الخلاقة” صناعاتها الوطنيّة  كما حصَلَ في سوريا حيث سطا “الثوّار” على المصانع في حَلَبَ وفكَّكُوها وباعُوها في أسواق أردوغان التركيّة ، أو تمَّ تدمير مُؤسَّسات الدولة كافّة تدميراً كامِلاً شامِلاً كما فَعَلتْ قوّاتُ الحلفِ الأطلَسيّ “الناتو” وعُمَلاؤها مِن ميليشيات وعصابات الإخْوَنْج عُملاءِ الإفْرَنْج والسلَفِيّين التكفيريين والمُرْتَزَقة في ليبيا الذين نَهَبوا على مدار خمس سنوات أكثر مِن ثلاثمائة مليار دولار مِن مال الشَّعْب الليبي المَتروك للقتلِ والخَطفِ والتشريد والنّهب والرُّعب والابتزاز  والتجويع.

وفِي هذا السِّياق حرَصَتْ الولاياتُ المتّحدةُ  الأمريكيّة والدُّوَلُ الأروبيّة المعنِيَّةُ بالمِلَفِّ الليبي مُباشَرَةً ( بريطانيا التي تُديرُ حالياً الوَضْعَ السياسي الليبي ، فرنسا ، ألمانيا ، وإيطاليا) مِن تَشكيلِ “حُكُومَةِ وفاقٍ” ، هِيَ في واقِعِ الأمْرِ حكومَة وِفاق بينَ تلك الدُّوَلِ الغَربيّةِ وليستْ حُكُومَةَ وِفاقٍ ليبي- ليبي ، برئاسَةِ رجُلِ الأعمالِ والصَّفقاتِ التِّجاريَّةِ “فائز السرّاج” ، لِتَكُونَ حُكُومَةَ وُكلاءٍ تجاريين ورجال أعمال مُؤقَّتة ( بَعْضُ المُراقِبين حَدَّدَ عُمْرَها بستَّةِ أشْهُر)  تقتَصِرُ مَهَمّتُها على إرْساءِ أُسُسٍ أوَّليَّة لِمَصالِحِ الدُّوَلِ الغَرْبيّة المَذكورة آنِفاً في ليبيا مِن خِلالِ تحويل الأخيرة إلى دُوَيْلات فاشِلَة تَعْتَمِدُ جميعُها اقتِصادِيّاً وبالكامِل على اسْتِيرادِ “فائضِ مُنْتَجاتِ الغْرب مِن السِّلَعِ ” واستِهلاكِها ، ومِن خلالِ ذلكَ تُسْتَنْزَفُ مَوارِدُ الخزينة الليبيّة  التي يتمّ الحُصُولُ عليها مِن بَيْعِ النَّفْطِ والغازِ الليبيين مُسْتَقْبَلاً إلى تلْكَ الدُّوَلِ الغَرْبيّةِ نَفْسِها ، خاصّةً وأنَّ مَصافِيَ للبترول في النّمسا وبريطانيا أنْشئتْ أساساً لتكرير وتصفيَةِ النّفْطِ الليبي الخام  الخالي مِن الرمل والوحْلِ والشوائب الأخرى.

وهكذا باتَ مَفْهُوماً أنْ يَدْعُو وَزيرُ الخارجيَّةِ الأمريكيّ “جون كيري” وَزُمَلاؤهُ الفرنسي والبريطاني والألماني والإيطالي مِن باريس في مارس الماضي حكومةَ فائز السرّاج الكومبرادوريّة الإسلاميّةُ إلى “الاستقرار العاجِل” في طرابلس، مُتَوَعِّدِينَ بِمُعاقَبَةِ كُلَّ مَنْ تُسَوِّلُ لَهُ نَفْسُهُ أو نَفْسُ غَيْرهِ أن يُبْدِي أيَّ مُعارَضَة أو عرْقَلَة لِحُكُومَةِ “تَوَافُقِهِم ” الأمريكي – الأوربي تلك.

قلنا حكومة “كومبرادوريّة إسلاميّة” ليسَ فقط لأنّ رئيسها رجل الصفقات التجاريّة “فائز السرّاج” سَبَقَ أن أعْلَنَ بأنّ في هذه الحكومة “الشريعة الإسلاميّة هِيَ مَصْدَر كُلِّ تَشريع ، وكُلّ ما يُخالِفُها يُعَدُّ باطِلاً ” ، بل لأنَّ خلفيَّةَ هذا التصريح هِيَ أنَّ مُعْظَمَ التجّار الليبيّين والرأسماليّين الطُّفَيليّين الذينَ تُمَثِّلُ حُكُومَةُ السرّاج مصالِحَهُم أيضاً هُم من “الإخوان المُسلمين” الذينَ بَرَزُوا كُوُكَلاء للشركاتِ الغربيّةِ وكتجّار مُتَنَفِّذين يُسيطِرُونَ على تجارَة الجملة في ليبيا ، وَمِن “الجماعةِ الإسلاميّةِ  المُقاتِلَة التي صار المُنتسبُونَ إليها مالكيّ وَمُسْتَثْمِريّ عِقارات بأموالٍ جَمَعُوها بِقوَّةِ السلاح بعْدَ تدمير مُؤسسات الدّولة إضافةً إلى تلك التي وردَتْ إليهم من قَطَر وتركيا وغيرهما لِهذا الغَرَض التدميريّ.

وَمِن هذا الخليطِ  “الإسلامي” السياسي والمُسَلَّح ، صَنَعَ الغَرْبُ الأوروأمريكي أداتَهُ الكومبرادوريّة للسَّيطَرَةِ الشامِلَة على مُقَدِّرات الشّعب الليبي ، ولا أعْنِي هُنا فقط الثّروة الوطنيّة الليبيّة التقليديّة القائمة على الرَّيْعِ النّفْطِي (استثمارات وَعائدات بَيْع النَّفْط والغاز) بل كذلك مَشاريع إعادَة الإعْمار ، والأموال الليبيّة المُجَمَّدَة في الخارج ، والسُّوق الليبيّة المَفتُوحة للرأسماليّة المُتَوَحِّشَة ولن تُسْتَثْنى مِن هذا العدوان الجَّشِع مَداخيلُ وَمُدَّخَرات المواطن الليبي.

وعلى عكسِ ما يزعمهُ الاستعمار الغربيّ الجديد مِن عَزْمِهِ على إرفاقِ “الليبراليّة الاقتصاديّة” بديمقراطيّة سياسيّة وقبل ذلك تخليص ليبيا مِن سرطان الإرهاب التكفيريّ فإنّهُ حريصٌ على دَوامِ هذا الإرهابِ وتنظيماتِه وجماعاتِهِ بِما في ذلك “داعش” فَزّاعَةً لِفَرْضِ حُكُومَةِ السرَّاج التي تؤسِّسُ مَوضُوعيّاً لإمارة إسلاميّة تحكم بالشريعة فقط في غرب ليبيا وفي ذات الوقتِ تؤدّي مَهامّها التي سَبَق أن أشرنا إليها. وَمِنَ المُؤشِّرات التي تدعَمُ ما ذهَبْنا إليهِ هُنا نُذَكِّرُ بِتَصْريحِ الألمانيّ ينس شتولتنبرغ أمين عام الحلف الأطلسي في15أفريل المُنْصَرِم   بأنّ الناتو في حالةِ تَواصُلٍ مُستَمرّ مع حكومة السرّاج، وأنّ قوّات الناتو جاهزة لِنَزْعِ سلاح الجماعات المُسَلَّحة وتأمين التدريب العسكري ومحاربة الإرهاب إذا طلبت حكومة السرّاج ذلك. وطَبْعاً ليسَ مُتَوَقَّعاً مِن حكومة الكومبرادور الإسلامي أنْ تطلبَ ذلكَ أو أقلَّ مِنْه، فَبَعْدَ عشرة أيّام مِن تصريح شتولتنبرغ تُحَذِّر وزيرة الدفاع الإيطالية وحكومة السرّاج مَعاً تقريباً، مِن أيِّ عَمَلٍ عسكريٍّ قَد يقومُ بِه الجيشُ الوَطَنِي الليبي لِتَحْرير “سرْت” مِن نير تنظيم “داعش”. وكانَ لافتاً أن تُشيرَ الوزيرة الإيطالية بأنَّ بلادها وبقيّة الدُّوَل الغربيّة سَتُدين تحرير “سرْت” مِن قَبْضَةِ “داعش”.

لماذا ؟!

لأنّ الناتو والدول الأوربيّة  يُريدُون مِن عَدَم الاصطدام مع “داعش” وَبَقائها في “سرْت”  وَمِن بقاء جماعات “الإخوان المسلمين ” والميليشيات التكفيرية التابعة أو الحليفة للإخوان المسلمين وحركة النهضة التونسية وقطر وتركيا  في الغرْب حيث تستقر حكومةُ السرّاج ، يريدون الوصُولَ إلى فَرْضِ تقسيم ليبيا  كأمْر واقِع لم يبْدأْ فَقَطْ مَع تسمية “إبراهيم حضران ” آمِر ميليشيا حَرَس المُنشآتِ النفطيّة نفْسَهُ  رئيساً لِما يُسَمّى المجلس السياسي لإقليم “بَرْقة” ، ولن ينتهي بِمَساعِي  بَرْبَر ليبيا وتونس الحثيثة لإعلان دولة أمازيغيّة في جَبَل “نفوسة ” وساحل “زوارة” مِن الجهة الليبية و”جرْبة” وقرية “تمزرتْ” من الجهة التونسية ، بل إنّ الأخطَر هُوَ سَعْي فرنسا المحموم إلى فَصْل إقليم “فزّان” كي يكون عمْقا لِمَصالِحِها في تشاد والنيجر حيث مناجم اليورانيوم التي عليها وحدها يعتمد تغذية فرنسا كلّها تقريباً بالكهرباء.

هذا هُو إذَنْ دَوْر الإسلام السياسي وميليشياته المسلحة وذراعه الاقتصادي الكومبرادوري  : تمزيق الأوطان والمجتمعات وَقَهْر الإنسان باسمِ الله  ، ليس في ليبيا فقط ، بل أيضا في سوريا واليمن ومصر والسودان وتونس والجزائر وفلسطين غيرها ، وَمُكافأةً لهذهِ المِيليشيات التكفيريّة والارتِزاقيّة على دَوْرِها في بَسْطِ هَيْمَنَةِ الاستِعمار الغرْبيّ الجديد على ليبيا حَصَلَتْ “تفاهُمات” برعاية الألماني أيضاً “مارتن كوبلر” بِوَصْفِهِ مَبْعُوثاً أمميّاً جديداً إلى ليبيا ، يتمّ بِمُوجَبِها إدماج تلك الميليشيات الإرهابيّة التكفيريّة في المؤسّسة العسكريّة التي سيجري تدريب كوادرها وعناصرها  في تونس .

إذَنْ حكومة السرّاج قِناعٌ وقَفافيز لاستِعمار غَرْبيٍّ جديد سيُقَسِّمُ بِلادَ عُمَر المختار ويَنْهَبُ خَيْراتها وَيُذِلُّ ما تَبَقّى مِن شَعْبِها المُهَدَّد في وُجُودِه كجميع الشُّعُوب التي استهدَفَتْها “ثورات الربيع العربي” وأوَّلها الشعب الفلسطيني، وهذه الحكومة الكومبرادوريّة سَتؤسِّسُ لإمارة إسلاميّة في غرب ليبيا مقرّها طرابلس ودستورها الشريعة. وبرلمانها مجلس أعيان وَمَشايخ ووجهاء “العروش” والقبائل ، ولكن مهمّتها الأساس تنفيذ ما تُمليه سياسة  صندوق النّقْدِ الدّولي ومنظّمة التجارة العالميّة والحلف الأطلسي ، فَتَسْتَقْوي  على ما تَبَقّى مِنَ الشعب الليبي بحلف الناتو الذي سبَقَ وأن استقوتْ به هذه الشرائح الاجتماعيّة (تحالف التجار بالمال والدم  والدين) التي يُمَثِّلها السرّاج حاليّاً،  للتخلّص مِن نظام القذافي وَمِن مُؤسسات الدولة الوطنية الليبيّة كافّة ، وبَعْد خصخَصَة ما تبَقّى مِن القطاع العام وشركاته الرابحة ، سيخسر الشعب الليبي حتى ما تبقّى مِن مُكتَسَبات النِّظام السابق والدولة الوطنيّة كَمجانيّةِ التعليم ومجانيّة الخدمات الصحيّة والبيئيّة ، والتجّار الذين رَفَعُوا الأسعار بنسبةِ ألف بالمائة لن يَرْدَعَ جَشَعَهُم الكومبرادوري  رادِع مادامت السلطات كافّة بأشكالها المُتَخَلِّفة الرجعيّة  في قبضتهم  المُتَوحِّشة.

هادي دانيال