Tunisia’s Islamic Renaissance Movement Conference: Advancing Political Islam, Destroying Democracy

مؤتمر النهضة العاشر بعث برسالة ‘مشفرة’ غابت عن المتابعين

نجحت حركة النهضة في تحويل الأنظار نسبيا عن الرسائل المشفرة التي بعث بها مؤتمرها العاشر والمتعلقة أساسا بالوضع السياسي للبلاد انطلاقا من تعديل القانون الأساسي للحركة والذي مكّن راشد الغنوشي من أحقية الترشح للانتخابات الرئاسية القادمة.

الجمعي قاسمي

تونس – لم يكن المؤتمر العاشر لحركة النهضة الإسلامية التونسية الذي انتهت أعماله فجر الاثنين، بتجديد البيعة لراشد الغنوشي، هدفه فقط الإعلان عن صورة جديدة لهذه الحركة تُميزها عن الصورة النمطية التي اتسمت بها، وإنما هدف بالأساس إلى توجيه رسائل سياسية متعددة الاتجاهات، منها المباشرة وغير المباشرة، وأخرى مُشفرة يُرجح أن تكون محور السجال السياسي في البلاد خلال الفترة القادمة.

ونجح القائمون على عملية التسويق الجديدة لحركة النهضة الإسلامية التي عكستها فعاليات المؤتمر العاشر، في جعل اهتمام وسائل الإعلام والأوساط السياسية تُركز على الرسائل التي أرادوا تمريرها، وفق خطة اتصالية حديثة مكنتهم من التعتيم على الرسائل غير المباشرة، وخاصة منها تلك “المُشفرة” رغم أهميتها الاستراتيجية ارتباطا بتكتيكات جماعة الإخوان المسلمين في علاقة بمسألتي التمكن والحكم.

ورغم أن تلك الرسائل غير المباشرة كثيرة، وقد تجسدت في قرارات تنظيمية، فإن أبرزها تلك الرسالة “المُشفرة” التي تضمنتها التعديلات الجديدة التي أدخلت على القانون الأساسي للحركة والتي أقرها المؤتمر بأغلبية ساحقة.

وتنص تلك التعديلات في جانب منها على أنه “يحق لرئيس الحركة الترشح للانتخابات الرئاسية، أو رئاسة الحكومة، أو رئاسة البرلمان، وإذا عزف عن ذلك، يُسمح له باختيار من يراه مناسبا لترشيحه لتلك المناصب”.

وقال القيادي وعضو مجلس شورى حركة النهضة عبدالكريم الهاروني، تعليقا على هذه التعديلات، إنه “بات من حق رئيس الحركة راشد الغنوشي الترشح في أي انتخابات قادمة، بعد إقرار النظام الأساسي الداخلي للنهضة، وذلك تمشيا مع الأحزاب الديمقراطية في العالم”، على حد تعبيره.

ويرى مراقبون أنه بقدر أهمية الرسائل الأخرى التي وجهتها حركة النهضة يمينا ويسارا، وخاصة منها تلك المتعلقة بمسألة الفصل بين السياسي والدعوي التي لم يتوقف الجدل حولها، فإن هذه الرسالة التي عكستها تلك التعديلات التي تمت المصادقة عليها بـ878 صوتا من إجمالي عدد المؤتمرين الـ1200 نائبا، حملت في طياتها أكثر من مغزى سياسي.

وبحسب المحلل السياسي التونسي منذر ثابت، فإن هذه الرسالة تُعتبر من أهم الرسائل التي كان يتعين تسليط الضوء عليها لأن مضمونها يؤشر إلى أن تونس مقدمة على متغيرات هامة على مستوى المعارك الانتخابية القادمة من شأنها زعزعة التوازنات على مستوى الحكم.وقال لـ”العرب”، إن تلك التعديلات التي لم تحظ بالاهتمام الإعلامي والسياسي، رغم أنها ترتقي إلى درجة “التحول النوعي”، هي رسالة إلى أنصار حركة النهضة، وكذلك أيضا إلى الحلفاء، والفاعلين الإقليميين

والدوليين، مفادها أن هذه الحركة تجاوزت مرحلة التمكن، وهي حاليا على أبواب الحكم الفعلي”.

وتابع قائلا “إن حركة النهضة بتلك التعديلات أضافت لجعبتها ورقة ضغط جديدة ستُلوح بها أمام مختلف الأطياف السياسية في الداخل، وخاصة منها تلك التي مازالت تراهن على دعم النهضة لها في الاستحقاق الرئاسي القادم”.

وشدد في تصريحه لـ”العرب” على أن تلك التعديلات هي “رسالة قوية مضمونها أن حركة النهضة أصبحت اليوم قادرة على اكتساح مؤسسات الدولة على مختلف الواجهات، إن أردت ذلك، ووفقا لقواعد اللعبة الديمقراطية”.

وتُشاطر بعض القراءات ما ذهب إليه منذر ثابت حين وصف تلك التعديلات بأنها “ورقة ضغط”، ولكنها تستبعد في المقابل أن يكون راشد الغنوشي الذي فرض تلك التعديلات يُفكر فعلا في خوض السباق الرئاسي القادم، خاصة وأنه انتزع من المؤتمر العاشر جميع الصلاحيات التي يريد ليُصبح بذلك الزعيم الأوحد الذي له حركة سياسية يديرها كما يشاء، وليس حركة سياسية لها زعيم. بل إن هناك من يعتقد أنه من السابق لأوانه الحديث الآن عن أن الغنوشي يستهدف من وراء تلك التعديلات الوصول إلى هرم السلطة، لأنه يُدرك قبل غيره أنه لا يحظى بقبول لافت لدى الرأي العام تبعا لما تُظهره بيانات سبر الآراء، وخاصة منها التي نُشرت الثلاثاء، والتي جاء فيها خارج نطاق الشخصيات الخمس الأوائل الأقدر على قيادة البلاد.

ويُضيف منذر ثابت في هذا الإطار، أن ثمة مؤشرات تؤكد أنه إذا ما قرر الغنوشي خوض السباق الرئاسي، فإنه بذلك سيتسبب في ثغرة في جسم حركته “قد تُعيد إنتاج أزمة حركة نداء تونس داخل حركة النهضة بما يؤجج الصراع حول خلافته، وهو صراع بدأ رغم بطء سياقه”.

وبين هذا الرأي وذاك، يبدو أن حركة النهضة الإسلامية التي جربت الحكم خلال السنوات الماضية، وخرجت منه تحت ضغط الشارع ومكونات المجتمع المدني والأحزاب السياسية، تتهيأ لمرحلة جديدة تنقلها من مرحلة التمكن إلى مرحلة الحكم تحت عناوين اللعبة الديمقراطية التي كثيرا ما ركز عليها المؤتمر العاشر الذي رغم انتهاء أعماله، مازال السجال المحيط به متواصلا.

ولا يبدو أن هذا السجال سيتوقف قريبا، وهو ما أكده منذر ثابت في تصريحه لـ”العرب”، حيث قال إن الساحة السياسية في البلاد “ستبقى في حالة توجس من النوايا الحقيقية لحركة النهضة الإسلامية بعد هذا المؤتمر الاستعراضي الذي أراد عكس صورة مفادها أن تونس عادت إلى المربع الأول، أي مربع الحزب الواحد القوي، وأحزاب أخرى عبارة عن ديكور لاستكمال المشهد الديمقراطي”.
الجمعي قاسمي