حقيقة “ورشفانة” بين إرهاب الجريمة المنظمة والانقسامات السياسية والاجتماعية

عبدالباسط بن هامل – بوابة افريقيا الاخبارية

تمكنت عصابات الجريمة المنظمة من اختراق ورشفانة إثر عمليات إجرامية ارتكبتها في حق العديد من السكان المدنيين، خلال سنة 2015 و 2016 حيث استطاعت مجموعات صغيرة مسلحة خارجة عن القانون، أن تزعزع الأمن والاستقرار في العزيزية والناصرية والعامرية والزهراء والماية والسهلة والحشان وصياد والنجيلة والعديد من قرى ومدن ورشفانة ، قامت هذه العصابات بعمليات قتل وخطف وابتزاز نتج عنها سخط عام من قبل أهالي ورشفانة، كما لاقت هذه الأعمال ستهجان وتنديد من قبل التيار المدني في ورشفانة.

ويخشى المراقبون للمشهد الورشفاني أن ينجح المجرمون المسلحين في السيطرة على ورشفانة بشكل كامل في غياب للسلطات المحلية، وتقصير من القيادات الأمنية والاجتماعية وانقسامات بين قادة التشكيلات المسلحة الموجودة بالمنطقة.

واستفاد المسلحون سواء المحسوبون على ورشفانة أو الذين هم من مناطق مختلفة من الخلافات السياسية والاجتماعية والفراغ الأمني في ورشفانة ليقيمو معاقل لهم في منطقة ورشفانة برعاية عدد من الأطراف الورشفانية، مشكلين خطراً مباشراً على حياة المدنيين وتنقلاتهم اليومية وكذلك على الوضع الاقتصادي للمنطقة، حتى أصبح الآباء يخشون على أطفالهم حين الذهاب للمدرسة خوفاً من خطفهم والمقايضة بهم.

إلى ذلك تواصل التنظيمات الإجرامية تمددها وسعيها للسيطرة على مدن وقرى ورشفانة، ويتخوف التيار الاصلاحي في ورشفانة والسكان المدنيون من إمكانية دخول تنظيمات إجرامية من مناطق أخرى لمنطقة ورشفانة، وازدادت حدة هذه المخاوف مع العملية الإجرامية التي حدثت في الناصرية غرب العزيزية عند مقتل الطفل إيهاب المعداني في مايو 2016.

وفي تحرك عكس جدية الخطر المحدق بورشفانة تعمل بعض التشكيلات المسلحة على مكافحة الجريمة يساندها في ذلك بعض مشايخ وأعيان ورشفانة ورجال الأعمال وبعض القيادات العسكرية والأمنية بالمنطقة وأحد هذه التشكيلات هي كتيبة الشهيد عبد الحميد الهمالي وبعض السرايا الأخرى حيث تحاول أن تتصدى للجريمة رغم قلة الامكانيات

وتبنت كتيبة الشهيد عبدالحميد الهمالي التابعة للجيش الليبي في يوم 10 و 11 مايو 2016 عمليات مداهمة واسعة لأوكار الجريمة في منطقة ورشفانة غرب طرابلس، من هذه المناطق: العزيزية و الطينة والماية والعامرية والناصرية والزهراء ، حيث إن سرية تابعة للكتيبة داهمت ما يقارب 10 أوكار للجريمة ، وعثر على 13 مخطوفًا من مناطق ورشفانة ومن مدن أخرى ، ناهيك عن عشرات الاشخاص قبضت عليهم في وقت سابق من المهاجرين غير الشرعيين من جنسيات افريقية .

في حين تولت السرية 55 من القوة المساندة للجيش الليبي في ورشفانة، بالهجوم على أوكار الجريمة حيث قامت السرية في 15 مايو 2016 بمداهمة عدد من الأوكار والمواقع المشتبه تبعيتها للمخربين والمجرمين في منطقة الساعدية شمال العزيزية، والتي امتهنت الحرابة وعمليات الاختطاف.

كما قامت بمداهمات في الضاحية الشرقية للعزيزية، وقبضت خلالها على عدة مجرمين وحررت بعض المختطفين، واستوقفت بعض المشتبه بهم وتولت التحقيق معهم وقامت ايضا بعدة مداهمات في منطقة قرقوزة جنوب الماية حررت خلالها عدة مختطفين، اكثر من مرة الفترة الماضية.

جهود كتيبة الشهيد عبد الحميد الهمالي:

خلال السنوات من 2015 : 2016 قامت الكتيبة بمداهمة عشرات الأوكار في مناطق متفرقة من ورشفانة.

منها مناطق في بلدية العزيزية أهمها منطقة وادي الهيرة جنوب مدينة العزيزية ومنطقة الكسارات بالقرب من رأس اللفعة، والبئر الجديد شمال غرب العزيزية، ومناطق أخرى في بلدية الماية منها الطينة وقرقوزة، والماية والمعمورة، كما داهمت الكتيبة مواقع في بلدية الزهراء منها الناصرية ومدينة الزهراء وضواحيها، ولم يقتصر دور الكتيبة على ذلك بل امتدد إلى مناطق تابعة إداريا لبلدية جنزور ومديرية أمن جنزور حيث داهمت الكتيبة أوكار في منطقة صياد والحشان غرب جنزور.

في حين أن الكتيبة ليس لها نشاط في مكافحة الجريمة داخل نطاق بلدية السواني، خاصة في النجيلة والسهلة والتوغار وغوط ابوساق، وربما يرجع ذلك لوجود كتائب مسلحة في هذه البلدية.

وحررت الكتيبة خلال 2015 : 2016 أكثر من 60 مختطف من العديد من مناطق غرب ليبيا وجنوبها بمن فيهم أبناء ورشفانة، الذين تم اختطافهم على يد مجموعات خارجة عن القانون وعن السلطة الاجتماعية، كما قامت كتيبة الشهيد عبد الحميد الهمالي باسترجاع أكثر من 100 سيارة مسروقة وسلمتها لأصحابها.

والجدير بالذكر أن هناك من يرى في ورشفانة أن كتيبة الشهيد عبدالحميد الهمالي التابعة للقوات المسلحة العربية الليبية تتمتع بسمعة طيبة في المنطقة وتعمل بانضباط عسكري ومهنية ولها دور هام في مكافحة الجريمة رغم الانتقادات التي توجه اليها، وتعمل على وقف عمليات تهريب الهجرة غير الشرعية من ساحل الماية وصياد وخاصة من معسكر سيدي بلال في منطقة صياد غرب طرابلس الذي كانت ميليشيات فجر ليبيا تستعمله في الهجرة غير الشرعية ومعتقل لأبناء ورشفانة المعارضين لفجر ليبيا.

في حين يرى آخرون أن الكتيبة فيها اشخاص مقاتلون محترفون وشجعان جداً إلى الحد الذي جعلهم في مرات عديدة يداهمون أوكار في مناطق يراها العديد من أبناء ورشفانة أنها مناطق محظورة لا يمكن مداهمتها منها أوكار في قرقوزة والطينة جنوب منطقة الماية الساحلية.

كما أن المسلحين في الكتيبة لا يعرفون الخوف ابداً والعديد من التشكيلات المسلحة وكذلك الخارجين عن القانون يهابونهم ويضعون لهم ألف حساب لذلك تجدهم يحابونهم دائما ويتقربون منهم تفادياً للدخول معهم في مواجهة مسلحة.

وهناك من يرى من المتابعين للشأن الورشفاني أن أغلب التشكيلات المسلحة ترتكب في انتهاكات لحقوق الإنسان تطال السكان المدنيين، وبعض هذه الكتائب لا تختلف عن بعضها كثيراً لان أغلب أفرادها يرتكبون في تجاوزات مخالفة للقانون وجرائم جنائية، أو يتعاملون مع بعض الخارجين عن القانون، وأن بعض التشكيلات المسلحة تقوم بمداهمات تغطية على جرائمهم في حق السكان المدنيين، وأن أغلبهم يقترف الجرائم ويوفرون غطاء لجرائم الأفراد المنضوين تحتهم، لكن الافضل حال بينهم كتائب تقوم قدر المستطاع بمكافحة الجريمة أو الحد من نشاط بعض المجرمين، وتحاول كبح نشاط افرادها في الأعمال الإجرامية.

وقال سكان محليون إن كتيبة الشهيد عبد الحميد الهمالي تقوم بالتصدي لعناصر إجرامية ترعاها بعض الاطراف في ورشفانة في حين أن العديد من التشكيلات المسلحة في ورشفانة غير متعاونة في حماية أهالي ورشفانة ويقتصر دورها في جمع الأموال من بعض المواقع الصناعية و الاقتصادية والتجارية، كالمصانع أو المخازن أو المحاجر الكسارات ومصانع الزلط و( الشرشور ) في منطقة راس اللفع جنوب غرب العزيزية.

وتقع مدينة العزيزية المركز الإداري والجتماعي لورشفانة جنوب غرب العاصمة طرابلس وتبعد 40 كلم عن العاصمة طرابلس، وتعتبر ورشفانة في نظر بعض الفبرايرين المتشددين معقلا لأنصار النظام السابق حيث تعرضت للقصف من قبل حلف شمال الأطلسي خلال أحداث الإطاحة بالعقيد الراحل معمر القذافي وتعرضت لحملة إعلامية وسياسية وعمليات مسلحة ضدها في نوفمبر 2011، غير أنها استطاعت تجاوز تلك الحملة بسواعد أبنائها وحكمة رجالها وطردت المعتدين على أرضها.

تحديات ترسيخ السلطة المحلية.

بعد سنة من تحرير ورشفانة من ميليشيات فجر ليبيا نجحت قبائل ورشفانة في ترسيخ سلطتها على أرضها، إلا أنها لم تحمي حدودها الإدارية ولم تقم بتامين نفسها من دخول عصابات إجرامية أو القبض على بعض أبنائها الخارجين عن القانون.

وتواجه السلطات المحلية في ورشفانة والتابعة لسلطة الحكومة المؤقتة في مدينة البيضاء شرق ليبيا، صعوبات سياسية تتمثل في عجزها في حماية مؤسسات الدولة وتفعيلها وتقديم الخدمات للمواطنين في حين يواجه شيوخ وأعيان ورشفانة صعوبات اجتماعية عن توحيد القيادات الاجتماعية والاقتصادية، ويدفع المجتمع المحلي ومؤسسات المجتمع المدني ورشفانة نحو ترسيخ سلطة الدولة بهدف توحيد الجهود المحلية لمحاربة الجريمة ومكافحة التدخلات المناطقية والجهوية في ورشفانة.

الصعوبات التي تواجه المجتمع المحلي في ورشفانة

الصعوبات الاجتماعية

تعاني منطقة ورشفانة من غياب وتهجير وإقصاء القيادات الاجتماعية والنخب المثقفة والمفكرة ونشطاء المجتمع المدني ورجال الأعمال بما في ذلك قيادات وطنية كانت تعمل في النظام السابق، كما أن العديد من القيادات الأمنية والعسكرية فضلوا الخروج منها حتى من كانوا في قيادة عملية تحرير ورشفانة من ميليشيات فجر ليبيا، ويسود طابع المغالبة على المشهد الداخلي في ورشفانة وتغلب سطوة الميليشيات المسلحة علي مشايخ وأعيان المنطقة وكذلك التيار المدني فيها، فكلمة من يحمل البندقية هي المسموعة ولا توجد سيطرة حتى من رب الأسرة علي أبنائه ولن يكون هناك دور للقادة الاجتماعيين والتيار الاصلاحي في ورشفانة إلا بالتخلص من الميليشيات المسلحة، وهذا يحتاج إلى مواجهة مسلحة قد تهدم بنيان قبيلة ورشفانة بالكامل وبالتالي تقسم نسيجها الاجتماعي في ظل استمرار تصدر مجموعات صغيرة للمشهد الورشفاني وغياب أي دور اصلاحي للمجلس الاجتماعي، إلا اذا كانت عملية التخلص من الميليشيات المسلحة تحت قيادة العسكريين من أبناء ورشفانة وبدعم قوي من الحكومة المركزية.

ويرى المراقبون للمشهد الورشفاني أن أغلب من هم الآن على الساحة الورشفانية لا يملكون فن السياسة والتعامل مع الاحداث بحكمة، كما أنهم لم يستطيعوا إدارة الأزمة و أنهم مختلفون على إدارة المنطقة، وبعض هذه القيادات الحالية لديها ارتباطات خارج ورشفانة وابعادهم عن المشهد حالياً صعب لقربهم والتصاقهم بمن يحملون السلاح ودعمهم للميليشيات المسلحة وأن اغلب هذه القيادات هدفها الوحيد الزعامة على حساب أمن واستقرار المدنيين وأن المصالح الشخصية هي الدافع لوجودهم في المشهد والدليل منذ سنة ماذا حدث فى مدن وقرى ورشفانة حيث لم توجد أي اصلاحات اجتماعية أو سياسية، غير ارتفاع سقف الجريمة وانهيار في القطاعات الخدمية وزيادة معاناة السكان المدنيين.

الصعوبات السياسية:

تواجه ورشفانة صعوبات سياسية أهمها ضعف اداء بعض أعضاء مجلس النواب عن منطقة ورشفانة، وعدم وجود خبرة سياسية لديهم، وفقدان بعضهم الشعور بالمسؤلية الملقاة على عاتقهم فيما بينهم، وأن جل الخلافات ناتجة عن مصالح شخصية، حتى وصل بالبعض ترشيح نفسه لأحد الوزارات في حكومة الوفاق، في حين حاول بعضهم تزكية أحد أخوته في وظائف عليا في الحكومة وأن البعض منهم تجاهل العديد من القدرات من أبناء ورشفانة الذين تتوفر فيهم معايير تولي الوظائف العامة في دوائرهم الانتخابية.

بالاضافة إلى تخلي بعض أعضاء المؤتمر الوطني العام السابق عن دورهم في مساعدة السكان المدنيين في الماية والعزيزية والسواني والزهراء.

في حين غاب عن المشهد الورشفاني بشكل نهائي أعضاء المجلس الوطني الانتقالي الذين تصدروا المشهد في أحداث 2011، ومثلو منطقة ورشفانة في تلك الفترة.

ويرى أحد المراقبين للمشهد السياسي في ورشفانة أن عدم توافق كتلة نواب ورشفانة في القضايا المحلية سبب في ضعف دورهم السياسي سواء علي مستوي الحكومة المؤقتة أو مجلس النواب كذلك عدم وجود مجالس بلدية فاعلة تستطيع الإقناع في مطالبتها بدور سياسي في الدولة، حيث عجز نواب ورشفانة عن تنسيق أي اجتماع يضم عمداء البلديات مع رئيس الحكومة المؤقتة أو رئيس حكومة الوفاق وذلك من أجل الوقوف على التحديات التي تواجهها منطقة ورشفانة.

الصعوبات الاقتصادية:

تعتبر ورشفانة منطقة اقتصادية جالبة للاستثمار المحلي والأجنبي غير أن الانفلات الأمني وعدم الاستقرار زاد من المشاكل الأمنية بورشفانة ، وهو ما أدى إلى غلق مؤسسات الدولة وخروجها من المنطقة مثل المصارف والجوازات وغيرها من المرافق الحكومية، وكذلك توقف أو صعوبة عمل العديد من المصانع بالمنطقة نتيجة غياب الأمن والابتزاز والتهديد بالسلاح، والأخطر من ذلك عدم وجود رؤية اقتصادية واضحة ومقنعة لأصحاب القرار بالدولة لدعمها ووضعها محل عمل فبالإمكان تنفيذ ميناء الماية البحري ومطار العزيزية، وتنفيذ مقترح انشاء معرض طرابلس بالمنطقة بالإضافة إلي تأمين وتفعيل كافة المصانع وطرح خطة متكاملة لدعم الشباب العاطل عن العمل عن طريق المشروعات الصغري والمتوسطة وانتشالهم من البطالة و استبدال البندقية بقرض صناعي أو اقتصادي يكون مشروعا يحقق التنمية والاستقرار، وهذا في الواقع يحتاج إلى النخب الاقتصادية ورجال الأعمال والمستثمرين بالمنطقة لوضع تصور بالوضع الاقتصادي لورشفانة.

أسباب زعزعة الأمن في ورشفانة

يقف وراء زعزعة الأمن فى ورشفانة العديد من الأسباب وأهمها الميليشيات المسلحة، وانتشار السلاح و تنفيذ بعض الأجندات من اشخاص خارج ورشفانة، بالإضافة إلى فقدان القيادة الاجتماعية الفاعلة واصحاب الوجاهة والحكمة.

كما أن غياب دور السلطات المحلية من أهم الأسباب لعدم تفعيل دور بعض البلديات وما هو موجود منها غير فاعل.

وهذا يتطلب قيام المجلس الاجتماعي بدوره التصالحي والاجتماعي وترك الشؤون السياسية لأعضاء مجلس النواب وأعضاء المؤتمر الوطني العام السابق والوزراء في الحكومات وعدد من النشطاء السياسيين وذلك بحكم خبرتهم السياسية والوظيفية في المراكز الحكومية، وأن تتولى البلديات شؤون تقديم الخدمات و مشاريع التنمية.

ومن الأسباب الرئيسية عدم وجود دعم من الحكومات السابقة لمنطقة ورشفانة ومعاملتها كمنطقة متمردة عن الحكومة المركزية في طرابلس، وتأجيج الحروب ضد السكان المدنيين بحجج واهية مما ادي إلى ما وصلت إليه ورشفانة اليوم فالحكومات المتعاقبة من 2011 هي السبب الرئيسي في زعزعة استقرار ورشفانة وفقدانها للأمن.

وفى هذا السياق يؤكد العديد من شخصيات ورشفانة، استعدادهم لمساعدة السلطات المحلية والتشكيلات المسلحة المكافحة للجريمة من أجل مواجهة التهديد المتنامي للأعمال الإجرامية والمخربين، وأن تتضافر الجهود من الجميع سيساعد على الإيفاء بحاجات أهالي ورشفانة العاجلة خاصة الأمن والاستقرار، حيث إن الجريمة تشكل تهديدا للجميع، ويطمح أهالي ورشفانة أن يتحد جميع قيادات ورشفانة ضد هذا العدو المشترك وهو الجريمة وتطهير المنطقة منها، عبر ملاحقتهم وتسليمهم للعدالة.

ورغم مرور أكثر من عام على تحرير ورشفانة، لم تتخذ الحكومات الليبية سواء تلك التابعة لـ “مجلس النواب”، أو التابعة لـ “المؤتمر الوطني السابق”، أو حكومة الوفاق خطوات جادة على الأرض لدعم منطقة ورشفانة.