Sleeper Cells in Every City: The Wider War Against Da’esh in Libya

الحرب على داعش في ليبيا

بقلم محمد الامين

داعش بات على مقربة من مدينة مصراته.. وقد يتمدّد جنوبا أو شرقا.. وهناك أحتمالات كبيرة بالتمدد جنوب غرب البلاد وصار يهدّد الجميع.. حتى من كانوا يعتقدون أنهم بمنأى عن هجماته أو زحفه لأسباب مختلفة.. هذه كلّها أحوالٌ كثيرةٌ ليست وليدة اليوم أو البارحة.. بل تعود إلى تراكمات من الضعف والإهمال.. لكنها تعود أيضا إلى الكثير من الكراهية والحقد والانقسام يجعل الليبيين اسْماً على غير مُسمّى، فالإسم يعكس وحدة، بينما المسمّى في أشدّ أحوال التمزّق والتشرذم.. .

ردود فعل داعش إزاء “شائعات” الحرب عليه، و”استعدادات” مختلف “الجيوش الليبية” للزحف عليه، عمليّة جداّ.. ومركّزة.. تدلّ على تماسك وقدرات واستعداد، لكنها كذلك تثبت إفلاس مقاربة الزحوف المنفردة، أو الجيوش المتعددة.. فقد اعتقدت أطراف كثيرة في مختلف ليبيا هذه الأيام أن المكاسب من محاربة داعش ليست أقلّ أهمية من التحالف معه.. أو الالتزام بعدم الاعتداء.. وتصاعد أسهم خيار المواجهة معه يصطدم إلى حدّ الآن بأطماع فئوية وميليشيوية وجهوية تريد استغلال الحدث في تبييض ماضيها الإجرامي، أو الفوز بشهادة حسن سيرة وسلوك من الجهات الأجنبية كالأوروبيين والأمم المتحدة وبعض القوى الإقليمية المؤثرة الأخرى..

الليبيون يحسبون الخسائر والمكاسب في السلم كما في الحرب.. وهذا من حقّهم.. لكنهم يخطئون خطأ جسيما في هذه الحالة بالذات، حين يعتقدون أن الحيلة والمراوغة وفنون المناورة وقلب الحقائق وبعثرة الأوراق، التي اعتادوا ممارستها في الشأن السياسي اليومي على مدى أعوام، قد تحسّن موقفهم أو تعزز التموضعات الجديدة التي ينشدونها، وذلك لسبب وحيد، وبسيط للغاية.. هو أن الأمر لا يتعلق هنا بجولة واحدة من حرب تقليدية.. أو بمعركة محدودة في الزمان والمكان.. هذا هو الخطأ الجسيم..

فكافّة العارفين والمطلّعين والمتابعين يؤكدون أن المواجهة بسرت لن تكون حربا معزولة عن المناطق المتاخمة لها أو حتى البعيدة عنها.. وأن تأثير معركة سرت لن ينحصر في نتائج مباشرة ويمكن السيطرة عليها كتدفق النازحين أو نقص الدواء أو الغذاء.. فحقائق التاريخ والجغرافيا.. وثبوت امتلاك داعش لخلايا نائمة وأخرى نشطة في معظم المدن الليبية.. وقدراته على التخفي والظهور ودمويّته الشديدة.. كلها عناصر تؤكد أن الحرب الشاملة ضدّه ليست خيارا أو جزءا من خطة أو مجرد احتمال بعيد الحدوث.. إنما هو ضرورة مؤكدة إن كان الليبيون يحثون عن حلّ جذري لأزمتهم.. ويبحثون عن إنقاذ حقيقي لبلدهم.. فالرهان ليس رهانا عابرا، والحماسة ليست حماسة ظرفية مؤقتة.. وفي هذه الحرب، سنشهد الكثير ممّا لا نتوقّع أو ننتظر.. وسوف تضيق الخيارات على بعض المدن إلى الحدّ الأشدّ إحراجا وخطورة.. حين يصبح بديل محاربة داعش الوحيد هو الموت.. ويصبح التردد في الانضمام إلى المعركة مرادفا للهلاك.. ولأن المعركة بهذه الخطورة والمصيرية.. فإن الانطلاق إليها بالانقسام الذي نرى، وبالحسابات التي لا تخجل “الجيوش الليبية” من التصريح بها، سوف يكون وبالا على الجميع.. وهذه “الجميع” لا تقتصر على الليبيين فحسب، بل تتعدى ذلك إلى الجوار، وإلى الأمم المتحدة.. وإنه على من يُحاور هذه الجهات الدولية والإقليمية أو يُفاوضُها باسم الجيش الليبي، بشأن فرص النجاح والإخفاق في حسم المعركة ضد الإرهاب أن ينقل الصورة الحقيقية، وأن يُبصّر الأطراف المقابلة بخطورة الأمر وبأن خوض الحرب المرتقبة أو التي قد ابتدأت بالفعل دون مقوّمات النجاح اللوجستية والعسكرية سوف يكون ضربا من ضروب الانتحار.. وسوف يقدّم للإرهابيين لحظة زخم ودعاية وحشد غير مسبوقة في تاريخ المواجهات معهم، حين يمنحهم فرصة نصر سهل، أو حتى فرصة معركة طويلة يُستنزفُ فيها الجهد وتؤدي الإدارة السقيمة للصراع إلى ظهور الدواعش كخصم ندّي ومتماسك، وطرف فرض نفسه بقوة الأمر الواقع فيصبح محاورا وطرفا في المعادلة الجيوسياسية، وهي الدعاية الأكثر خطورة على مستقبل ليبيا بأسرها.. هذا من أوكد الضرورات وأهمّ ما ينبغي التحوّطُ لهُ والحذرُ منه.. والله المستعان.